لم يكن رحيل الفنانة التشكيلية زينب السجيني مجرد خبر عابر في سجل الوفيات، بل لحظة كاشفة، أعادت طرح سؤال قديم متجدد: ماذا يبقى من الفنان بعد رحيله؟، وفي حالة السجيني، جاءت الإجابة واضحة في أصوات تلاميذها ومحبيها وزملائها، يبقى "الأثر"، لا كذكرى، بل كامتداد حيّ في الوجدان.
ففي وداعها، لم يتحدث الوسط التشكيلي عن لوحات فقط، بل عن إنسانة صنعت معنى أن يكون الفن رسالة، وأن يكون الفنان ضميرًا.
الفنان أشرف رضا لخص المشهد بقوله: "نحن لا نودّع فنانة عادية.. نحن نودع تجربة كاملة.. زينب السجيني كانت حالة خاصة، جمعت بين العمق الفني والنبل الإنساني.. تأثيرها لا يقاس بعدد أعمالها، بل بعدد من غيّرتهم".
هذا "التغيير" الذي يشير إليه رضا، هو ما التقطه أيضًا الكاتب والناقد ناصر عراق، حين قال: السجيني كانت تكتب الإنسان قبل أن ترسمه.. كانت ترى في الأمومة والطفولة ليس مجرد موضوعات تشكيلية، بل مفاتيح لفهم العالم.. لذلك جاءت أعمالها قريبة، صادقة، تمس القلب دون استئذان، لم تكن هذه القربى من الإنسان صدفة، بل نتاج مسار طويل جمع بين الفن والتربية.
وعند دورها الأكاديمي يقول الدكتور محمود خورشيد: خسارتنا ليست فنية فقط.. بل تربوية أيضًا.. السجيني كانت تؤمن أن الفن وسيلة لبناء الإنسان، لا مجرد مهارة.. كانت تزرع في طلابها الوعي قبل التقنية.. ولهذا خرج من تحت يدها أجيال تحمل فكرًا، لا مجرد أدوات.
هذا البعد الإنساني، الذي تكرر في معظم الشهادات، بدا أكثر وضوحًا في كلمات الفنانة أماني فوزي، التي قالت: كانت أمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. لم تكن علاقتها بتلاميذها علاقة أستاذ بطالب.. بل علاقة احتواء.. كانت تفرح لنجاح الآخرين كما لو كان نجاحها.. وهذا نادر.
أما الفنانة صفية القباني، فقد رأت في رحيلها نهاية لزمن خاص، قائلة: زينب السجيني تمثل جيلًا كان يؤمن بالفن كقيمة.. كالتزام.. كحياة..رحيلها ليس فقدان اسم، بل فقدان روح كانت توازن بين الفن والإنسان.
كانت تمتلك قدرة نادرة على قول الكثير بالقليل، أعمالها تبدو بسيطة، لكنها مشحونة بإحساس عميق، كانت تختصر الحكاية في نظرة، أو في حضن.. وهذا هو الفن الحقيقي، هذا "الاختصار الكاشف" ربما هو ما جعل أعمالها قادرة على البقاء، لأنه نابع من تجربة حياة كاملة، بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين ولدت عام 1930، وامتدت عبر عقود من العمل الدؤوب، منذ تخرجها في كلية الفنون الجميلة عام 1956، ضمن جيل ضم أسماء مؤثرة مثل سامي رافع، وصولًا إلى حصولها على دكتوراه في التربية الفنية عام 1978، لكن سيرة السجيني لا تقرأ فقط في تواريخها، بل في اختياراتها.. في انحيازها الدائم للإنسان البسيط، للأم، للطفل، للحظة الحميمية التي تمر دون أن ينتبه لها أحد، لكنها كانت تراها وتمنحها خلودًا بصريًا.
وفي بيان نعيه، أكد أتيليه القاهرة أن السجيني واحدة من رموز الفن التشكيلي المصري، وأن مسيرتها تمثل نموذجًا للالتزام الفني والأخلاقي، وهو توصيف لا يبدو رسميًا بقدر ما هو خلاصة ما اتفقت عليه كل الأصوات، وربما المفارقة الأكثر تأثيرًا، أن رحيلها جاء بعد أيام قليلة من حضورها معرضًا فنيًا لأحد تلاميذها، رغم مرضها، حيث ناقشت الأعمال وقدمت ملاحظاتها بابتسامتها المعتادة، وكأنها اختارت أن يكون وداعها الأخير "داخل الفن"، لا خارجه.
رحلت زينب السجيني، لكن ما تركته لا يمكن اختزاله في لوحات أو جوائز، رغم حصولها على جائزة الدولة التشجيعية ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980، بل يختزل في شيء أكثر عمقًا: "أثر إنساني".














0 تعليق