أطلقت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا صرخة تحذير مدوية قبل أيام من انطلاق اجتماعات الربيع المرتقبة في واشنطن، مؤكدة أن النزاع المسلح في منطقة الشرق الأوسط بات المحرك الأساسي لإعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي نحو الأسوأ. وأوضحت أن تضافر التوترات الجيوسياسية مع اضطرابات الطاقة سيؤدي حتماً إلى موجة تضخمية عاتية وانكماش في معدلات النمو التي كانت تكافح للتعافي من تداعيات الجائحة الطويلة.
حسب تقرير لـ«رويترز» وتصريحات المسؤولين الدوليين، فإن المشهد الاقتصادي الراهن يعاني من أسوأ اضطراب في إمدادات الطاقة عبر التاريخ المعاصر، حيث أدى الحصار الفعلي لمضيق هرمز إلى شلل في تدفقات النفط والغاز. ويمثل هذا الممر الشريان الحيوي لخُمس الإنتاج العالمي، مما جعل العالم يواجه نقصاً حاداً في ملايين البراميل، وهو وضع دفع المؤسسات المالية الدولية لمراجعة كافة أرقامها السابقة بمرارة وقلق بالغين.
زلزال الطاقة وانهيار سلاسل التوريد العالمية
يرى صندوق النقد الدولي أن التأثيرات المباشرة للحرب لم تقتصر على أسعار الوقود فحسب، بل امتدت لتضرب عمق سلاسل التوريد الحساسة المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا والزراعة بشكل غير مسبوق. وأوضحت غورغييفا أن تقليص إمدادات النفط بنسبة ثلاثة عشر في المائة قد أحدث أضراراً جانبية طالت منتجات حيوية مثل الأسمدة وغاز الهيليوم، مما يهدد بتعطيل صناعات كبرى تتوزع جغرافياً بين القارات المختلفة بشكل يفاقم الأزمة الراهنة.
تشير البيانات الواردة من المؤسسات الدولية إلى أن الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة كان جسيماً وعميقاً، حيث تضررت عشرات المنشآت الإنتاجية في دول كانت تعتبر ركائز للاستقرار الطاقي. وتؤكد التقارير أن استعادة القدرات الإنتاجية السابقة، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي، قد تتطلب سنوات طويلة من العمل الشاق والاستثمارات الضخمة، مما يعني أن تكلفة الطاقة ستظل مرتفعة لفترات زمنية ممتدة ترهق ميزانيات الدول والأفراد.
تعديلات جذرية في توقعات النمو والتضخم
كان من المفترض أن يشهد العالم تحسناً طفيفاً في الأداء الاقتصادي، حيث كان يخطط صندوق النقد الدولي لرفع توقعات النمو إلى نحو ثلاثة وثلاثة أعشار في المائة للأعوام المقبلة. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، إذ تسببت الصدمات غير المتكافئة وتشديد الأوضاع المالية في دفع الخبراء إلى صياغة سيناريوهات بديلة تتسم بالقتامة وتراجع معدلات التفاؤل التي كانت سائدة قبل اندلاع شرارة المواجهات العسكرية الحالية.
تستعد الأوساط المالية لاستقبال تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" في منتصف أبريل الجاري، والذي سيتضمن تحليلات دقيقة لآثار الحرب وتأثيرها على القوة الشرائية العالمية ومعدلات الفائدة التي قد تظل مرتفعة. ويبدو أن جميع المسارات الاقتصادية باتت تؤدي الآن إلى حتمية ارتفاع الأسعار وتباطؤ النشاط التجاري، وهو ما يضع صانعي السياسات في موقف حرج يتطلب موازنة دقيقة بين تحفيز النمو ومحاربة التضخم المتسارع في الأسواق.
معاناة الدول الفقيرة ومخاطر الاضطرابات الاجتماعية
حذر صندوق النقد الدولي بوضوح من أن الفئات الأكثر تضرراً من هذه الأزمة هي الدول الفقيرة والهشة التي تفتقر إلى موارد الطاقة الذاتية أو الاحتياطيات المالية الكافية لمواجهة الصدمات. وتفتقر هذه الدول إلى أي مساحة مالية تتيح لها دعم مواطنيها ضد الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، مما يفتح الباب على مصراعيه لاحتمالات نشوب اضطرابات اجتماعية واحتجاجات قد تهدد الاستقرار السياسي في مناطق واسعة.
كشفت جورجييفا أن العديد من الحكومات قد سارعت بالفعل بطلب مساعدات تمويلية طارئة لمواجهة العجز المتزايد في ميزانياتها، معتبرة أن ثمانية وخمسين في المائة من أعضاء الصندوق يقعون تحت ضغط الاستيراد الطاقي. وشددت على ضرورة تجنب الدعم الحكومي العشوائي الذي قد يفاقم الضغوط التضخمية بدلاً من حلها، داعية إلى توجيه الدعم لمستحقيه فقط لضمان عدم استنزاف الموارد المحدودة في صراعات اقتصادية داخلية لا تنتهي.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر الجيوسياسي
بات الأمن الغذائي العالمي أحد أكبر الهواجس التي تؤرق مضجع صندوق النقد الدولي والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، خاصة مع استمرار تعطيل إمدادات الأسمدة الضرورية للزراعة العالمية على نطاق واسع. ورغم أن الصندوق لا يتوقع أزمة غذاء شاملة في اللحظة الراهنة، إلا أن استمرار الأعمال العدائية قد يغير هذه النظرة بحلول الصيف القادم، مما قد يؤدي إلى مجاعات حادة تضرب ملايين الأشخاص في المناطق الأقل نمواً.
تتجه الأنظار الآن نحو التنسيق الدولي المشترك بين وكالات الطاقة والغذاء والتمويل لتقييم الحجم الحقيقي للأضرار الناتجة عن الهجمات التي طالت المنشآت الحيوية في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية. ومع استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تتجاوز مائة وعشرة دولارات للبرميل، يصبح من الصعب الحديث عن استقرار قريب دون حل سياسي شامل ينهي الحصار المفروض على الممرات المائية الحيوية التي تغذي محركات العالم.
مستقبل ضبابي واستعداد لصدمات اقتصادية متتالية
تؤكد القيادة العليا في المؤسسات المالية الدولية أن العالم بات يعيش في حقبة تتسم بقدر هائل من عدم اليقين، حيث تتشابك التوترات الجيوسياسية مع التغيرات المناخية والتحولات التكنولوجية المتسارعة بشكل معقد. وتطالب غورغييفا الدول بالبقاء في حالة يقظة دائمة، فما إن يتم التعافي من صدمة حتى تلوح في الأفق بوادر صدمة أخرى، مما يستوجب بناء مصدات مالية قوية وتغيير جذري في استراتيجيات التعامل مع الأزمات الدولية المفاجئة.
إن الأضرار الطويلة الأمد التي خلفها النزاع الحالي لن تمحى بمجرد توقف المدافع، بل ستمتد آثارها لسنوات في صورة سلاسل توريد محطمة وديون سيادية متراكمة وتضخم هيكلي يصعب كبحه بسهولة. ويبقى الرهان الآن على قدرة المجتمع الدولي في اجتماعات واشنطن القادمة على صياغة حلول مبتكرة تخفف من وطأة هذه الكارثة الاقتصادية الزاحفة التي تهدد بابتلاع مكاسب التنمية التي تحققت بشق الأنفس خلال العقد الماضي.
















0 تعليق