في وقت تتزايد فيه التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تسعى الدول في الإقليم إلى إعادة ترتيب تحالفاتها السياسية وتعزيز قنوات التنسيق الدبلوماسي لمواجهة التحديات المشتركة. وفي هذا السياق، انعقدت في العاصمة الصومالية مقديشو أعمال الدورة الثانية للجنة التشاور السياسي بين السودان وجمهورية الصومال الفدرالية، في خطوة تعكس رغبة البلدين في تعزيز التعاون الثنائي وتطوير العلاقات الدبلوماسية بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.
وترأس وفد السودان في الاجتماعات السفير معاوية عثمان خالد، وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، بينما ترأس وفد جمهورية الصومال الفدرالية حمزة آدم حادر، الوكيل الدائم لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي. وناقش الجانبان خلال الاجتماعات عددًا من الملفات المشتركة، من بينها سبل تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي، وتوسيع مجالات التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية التي تشهد اهتمامًا متزايدًا من البلدين.
وتكتسب هذه الجولة من المشاورات أهمية خاصة في ظل الظروف التي يمر بها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تسعى الخرطوم إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية والعربية الصديقة من أجل حشد الدعم السياسي والدبلوماسي في مواجهة تداعيات الأزمة الداخلية. وفي هذا الإطار، ركزت المباحثات على توسيع مجالات التعاون المشترك بما يعزز المصالح المتبادلة ويعكس الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.
وأكد الجانبان خلال الاجتماعات أن العلاقات بين السودان والصومال تستند إلى تاريخ طويل من الروابط الثقافية والسياسية، فضلًا عن تقارب المواقف تجاه العديد من القضايا الإقليمية. كما شددا على أهمية تطوير هذه العلاقات عبر آليات التشاور السياسي المنتظمة التي تسهم في بناء مواقف مشتركة تجاه القضايا المطروحة في المحافل الإقليمية والدولية.
وتناول اللقاء أيضًا أهمية تعزيز التنسيق بين البلدين داخل المؤسسات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويرى مراقبون أن هذا التنسيق قد يلعب دورًا مهمًا في دعم الاستقرار الإقليمي، خصوصًا مع تزايد الاهتمام الدولي بهذه المنطقة الحيوية التي تعد واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم.
وخلال الاجتماعات، عبّر رئيس وفد الحكومة السودانية عن تقدير بلاده للمواقف التي أبدتها الحكومة الصومالية تجاه السودان خلال الأزمة الراهنة. وأشار إلى أن الدعم السياسي الذي قدمته مقديشو يعكس عمق التضامن بين الدول العربية والأفريقية في مواجهة التحديات التي تهدد استقرار الدول الوطنية ومؤسساتها.
وأكد الوفد السوداني أن هذه المواقف تعبر عن التزام سياسي وأخلاقي بدعم سيادة السودان والحفاظ على مؤسساته، في ظل الصراع الدائر في البلاد. كما اعتبر أن التعاون بين الخرطوم ومقديشو يمكن أن يشكل نموذجًا للتضامن الإقليمي في مواجهة الأزمات التي تعصف بعدد من دول المنطقة.
من جانبه، شدد رئيس الوفد الصومالي على متانة العلاقات بين البلدين، مؤكدًا وجود إرادة سياسية لدى قيادتي السودان والصومال لدفع العلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تقدمًا. وأوضح أن هذه الإرادة يمكن أن تترجم إلى تعاون عملي في مجالات متعددة، تشمل التنسيق السياسي والدبلوماسي، إضافة إلى التعاون في المجالات الاقتصادية والتنموية.
ويعد انعقاد الدورة الثانية للجنة التشاور السياسي بين البلدين إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في القرن الأفريقي. فالسودان والصومال يواجهان تحديات أمنية وسياسية متشابهة، ما يجعل التنسيق بينهما ضرورة استراتيجية وليس مجرد تعاون دبلوماسي تقليدي.
كما تعد مثل هذه اللقاءات خطوة نحو توسيع التعاون في مجالات أخرى مثل الأمن البحري والتجارة والاستثمار، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي في المعادلات الجيوسياسية العالمية.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن السودان والصومال يسعيان إلى بناء شراكة دبلوماسية أكثر عمقًا، تقوم على التنسيق السياسي المستمر وتبادل الدعم في القضايا المشتركة. ومع استمرار التحديات التي تواجه المنطقة، قد يصبح هذا النوع من التعاون أحد الأدوات المهمة لتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم مسارات التنمية في البلدين.


















0 تعليق