"فورين بوليسي": الصين تحيى مبادرة "الحزام والطريق" وتعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أنه قبل وقت ليس ببعيد، كان صانعو السياسات في الغرب يكتبون النعي لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية التي تم إطلاقها عام 2013، وهى برنامج عالمي تقوده الصين  مستوحى من طريق الحرير القديم، ويهدف إلى تعزيز التواصل والتجارة وتدفقات رءوس الأموال بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. لكن هذا الحكم يبدو اليوم متعجلا إلى حد كبير. فواقع عام 2025 بدد تلك السردية؛ إذ لم تتراجع المبادرة، بل عادت بقوة لافتة، متجاوزة حتى ذروة نشاطها في عام 2016.

مشروعات الحزام والطريق

ويشير أحدث البيانات ذات الصلة إلى أن قيمة مشروعات الحزام والطريق بلغت نحو 213.5 مليار دولار خلال عام 2025، في دلالة واضحة على مرونة مالية وجيوسياسية استثنائية. وجاء هذا الانتعاش بالتوازي مع تحول كبير في مكانة الصين التجارية، حيث تجاوز إجمالي تجارتها الخارجية 6.3 تريليونات دولار، محققة فائضًا قياسيًا يقارب 1.2 تريليون دولار.

غير أن المبادرة - في رأي المجلة- لم تعد كما كانت. فبعد أن كانت أداة لتمويل مشروعات البنية التحتية الضخمة في الدول التي تشملها المبادرة، تحولت إلى امتداد متطور للسياسة الصناعية الصينية، حيث بفعل ضغوط داخلية وخارجية، باتت تعمل في تناغم مع استراتيجية بكين الاقتصادية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، هي: الهيمنة على قطاعات المستقبل مثل التكنولوجيا النظيفة، وتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، والتعاطي مع فائض الإنتاج المحلي عبر التوسع التصديري المكثف.

وترى المجلة الأمريكية أنه من المفارقات أن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منذ أبريل 2025، إلى جانب النزعة الحمائية الغربية، ساهم بشكل كبير في تسريع هذا التحول. إذ وجدت الشركات الصينية نفسها مضطرة لإعادة توجيه سلاسل الإمداد عبر دول ذات تعريفات جمركية منخفضة، ما يسمح لها بالحفاظ على وصول غير مباشر إلى الأسواق الغربية، وذلك جنبًا إلى جنب مع سعي بكين إلى اقتحام أسواق ناشئة خارج النفوذ الأمريكي لاستيعاب إنتاجها الضخم. وقد ساهم ذلك في عودة مبادرة الحزام والطريق بحجم أكبر، وبشكل أكثر تكيفا مع التحديات الجديدة، مستفيدة من القيود التي كان الهدف منها احتواء بكين.

 ضغوط متزايدة على الاقتصاد الصيني

وتؤكد المجلة أن هذا التحول الاستراتيجي يعكس محاولة لمعالجة ضغوط متزايدة على الاقتصاد الصيني. فمن جهة، تواجه البلاد فائضًا إنتاجيًا حادًا نتيجة سنوات من التوسع الصناعي المدعوم حكوميًا، ومن جهة أخرى تعاني من ضعف الطلب المحلي بعد جائحة "كوفيد-19".

وفي هذا الصدد، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدعم الحكومي للقطاع الصناعي في الصين يبلغ نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى استمرار الانتاج رغم محدودية الاستهلاك الداخلي. وفي عام 2025، كانت نحو 24% من الشركات الصناعية الصينية تعمل بخسارة، معتمدة على التمويل الحكومي للاستمرار والبقاء.

ولفتت "فورين بوليسي" إلى أن هذا الواقع جعل التصدير مسألة بقاء "حياة أو موت" بالنسبة للشركات الصينية، وهو ما انعكس في الفائض التجاري القياسي، المدفوع أساسًا بقطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. فقد ارتفعت صادرات التكنولوجيا المتقدمة في الصين بنسبة 13.2%، بينما قفزت صادرات السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية بنسبة 27.1%، وقفزت صادرات توربينات الرياح بنسبة 48.7%.

ورغم ذلك، فإن الصين، لا تزال تواجه بيئة أكثر صعوبة في الخارج. فقد رفعت الولايات المتحدة تعريفاتها الجمركية إلى نحو 16%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1936، ما أدى إلى تراجع الصادرات الصينية المباشرة إليها بنسبة 20%. كما فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا تصل إلى 45.3% على السيارات الكهربائية الصينية.

وأمام هذا الواقع، أعادت بكين تصميم مبادرة الحزام والطريق ضمن إطار أوسع يعرف بـ"التنمية الجديدة" و"الدورتين الاقتصادية الداخلية والخارجية"، بهدف تعزيز الابتكار المحلي، مع الاستفادة من الأسواق العالمية في الوقت نفسه.

ووفقًا للمجلة، تجلى هذا التحول الصيني في زيادة الاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع، التي بلغت 28.7 مليار دولار في عام 2025، إضافة إلى استثمارات قياسية في الطاقة الخضراء. كما اعتمدت الصين استراتيجية "القفز فوق التعريفات" عبر نقل الإنتاج إلى دول وسيطة في جنوب شرق آسيا وإفريقيا، لتفادي القيود الغربية.

كما تحولت المبادرة أيضًا إلى أداة لفتح أسواق جديدة، خاصة في الجنوب العالمي. فقد بلغ حجم التجارة بين الصين ودول الحزام والطريق نحو 3.4 تريليونات دولار، ما يمثل أكثر من نصف تجارتها الخارجية. وتبرز إفريقيا كوجهة رئيسية، حيث ارتفعت الاستثمارات هناك بشكل كبير، بالتوازي مع نمو الصادرات الصينية إلى القارة.

وعليه، لم يعد مشروع الحزام والطريق مجرد مبادرة للبنية التحتية، بل أصبح أداة مركزية في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية، تهدف إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز النفوذ في الجنوب العالمي.

ونبهت المجلة الأمريكية إلى أنه إلى جانب الاستثمارات المادية، تعمل بكين على بناء "بنية تحتية" وصفتها بـ"الناعمة" عبر اتفاقيات التجارة الحرة، التي تسعى من خلالها إلى صياغة قواعد التجارة العالمية بما يخدم مصالحها، حيث لا تقتصر اتفاقيات التجارة سالفة الذكر على خفض الرسوم الجمركية، بل تمتد إلى توحيد المعايير وتنظيم سلاسل الإمداد.

ومع ذلك، فإن هذا التمدد يطرح- في رأي المجلة- تحديات أمام الدول النامية، إذ قد تؤدي المنافسة مع المنتجات الصينية منخفضة التكلفة إلى إضعاف الصناعات المحلية، ما يهدد بإبقاء هذه الدول في فخ الدخل المتوسط.

وخلصت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إلى أن هذه التطورات أبرزت، بلا شك، أن السياسات الأمريكية القائمة على الرسوم الجمركية، لم تنجح في كبح التوسع الصيني، بل دفعت إلى إعادة تشكيله، وأن مواجهة هذا النفوذ تتطلب استراتيجية بديلة تقوم على التعاون الدولي وتقديم حوافز اقتصادية حقيقية.

كما أصبح جليًا أن مبادرة الحزام والطريق قد عادت بقوة في صورة جديدة تعكس عالمًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد المنافسة تدور فقط حول التجارة، بل حول من يضع القواعد ويعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق