تحدث الدكتور هيثم الحاج علي عن الإبداع وتحولاته وذلك في منتدى أوراق في جريدة (حرف) الثقافية، بمؤسسة الدستور الصحافية، ندوة فكرية بعنوان "أسئلة النقد.. أسئلة المستقبل"، يقدمها الكاتب والناقد الدكتور يسري عبدالله، ويشارك فيها الناقد الدكتور هيثم الحاج علي، والناقد الدكتور محمود عبدالباري..
منتدى أوراق.. جريدة الدستور
وقال الدكتور هيثم الحاج علي:" إذا ضربنا مثلًا بفكرة الصورة. فحين يتعلّم المرء التصوير الفوتوغرافي، فإنه يلتقط الصورة وهو ينظر دائمًا إلى مكوّنات الكادر كاملة، فتغدو لديه فكرةُ التناسب والاتساق بين عناصره، وكيف ينبغي أن يكون هناك مركز تحيط به عناصر أخرى، وأنه –بوصفه مبدعًا– هو المتحكّم في هذا التكوين.
ويضيف:" غير أن هذه الفكرة تتغيّر مع ظهور التصوير الذاتي "السيلفي"، إذ لم يعد المصوِّر ينظر إلى نفسه بوصفه عنصرًا ضمن الصورة، بل صار مركز ذاته هو مركز الصورة، بل مركز العالم إلى حدٍّ كبير. ويمكن ملاحظة ذلك حين يلتقط أيّ شخص صورةً لنفسه؛ فأهم ما يركّز عليه هو شكله هو، بينما يصبح ما وراءه هامشًا، في حين أن المتن الحقيقي في الصورة هو الذات ذاتها..
ويكمل:" وهذه مسألةٌ ترتبط بما أشرنا إليه من قبل من تحوّلٍ في الفهم؛ إذ أصبح كل متلقٍّ مبدعًا بصورةٍ ما، أو يمتلك على الأقل إمكانية الإبداع وطرح قيمه الذاتية. ومن هنا يمتدّ الخط إلى فكرة تعدّد النص بتعدّد قرّائه، وإلى بروز الثقافة الفردية التي تُفتّت العالم وتضع الذات في مركزه. وفي زمنٍ كهذا، تغدو هذه الفكرة منطلقًا رئيسيًا لكثير من الأسئلة النقدية التي تُطرح في سياق ما بعد الثورة الرقمية..
ويواصل:" إننا ما زلنا نتحدث –إلى حدٍّ ما– في إطار نواتج الثورة الصناعية، حيث كان الجمال قائمًا في ذاته كما كان في العصور الزراعية، أما اليوم، فنحن بإزاء وعيٍ باطني، اختزالي، يحاول قراءة العالم من زاويةٍ فردية، ضمن إطارٍ فلسفي يقوم على تفكيك العالم والنظر إليه من منظور الذات..
الدكتور هيثم الحاج علي
ويكمل هيثم الحاج علي:" ويفضي ذلك إلى جملةٍ من الأسئلة، لعلها ستتبلور في المستقبل القريب، حول تعريف المبدع ذاته؛ فهل يمكن اعتبار كل ما يُطرح بصريًا نصًّا ينتجه مبدع؟ وإذا لم يكن هذا المنتج مبدعًا بالمعيار التقليدي - أي المثقف العضوي المنخرط في قضايا مجتمعه وتطوير جمالياته - فكيف يمكن تعريف هذا النوع الجديد من المبدعين، الذين ينتجون إنتاجًا لحظيًا، أقرب إلى الشفاهية، بل ربما عودة إلى شكلٍ جديد من الشفاهية الرقمية، حيث يقوم اتصالٌ مباشر بين المنتج والمتلقي، مع غيابٍ واضحٍ للفصل بينهما؟.
ويتابع:" في هذه اللحظة، تبدو فكرة “الجماهير الفنية” قادرةً على الإجابة عن كثير من الأسئلة المرتبطة بهذا التحوّل. فنحن –كمبدعين أو متلقّين أو حتى نقّاد– نحاول مواكبة هذا المشهد، حيث تتجلّى محاولةٌ مستمرة للتجريب، ويظهر مبدعٌ فردي يسعى إلى الانفلات من القيود الاجتماعية، ويبحث عن الانتشار، وهو انتشارٌ لا ينفصل عن مراعاة الثوابت المجتمعية، رغم تغيّر بنية المجتمع وتحوله إلى مجتمعاتٍ متعددة..
ويستطرد:" في مصر مثلًا، لا يمكن النظر إلى القراءة بوصفها كتلةً واحدة؛ بل نحن أمام مجتمعاتٍ متعدّدة من القرّاء، وغالبًا ما ينظر المثقفون إلى “مجتمع القراءة” بوصفه ذلك المرتبط بالثقافة الجادة، وبأسماء مثل نجيب محفوظ وغيرها، بوصفها تمثّل المتن الثقافي، غير أن الواقع الرقمي يكشف أن ما يُعدّ هامشًا لدى النخبة قد يصبح متنًا لدى جمهورٍ واسع، إذ تحقق بعض الكتب الخفيفة مبيعاتٍ كبيرة خلال أسابيع قليلة، رغم عدم اعتراف النخبة بها بوصفها إنتاجًا جادًا.
ويؤكد هيثم الحاج علي: "وهنا تصبح التعريفات كلّها قابلةً للتغيير، بل وقابلةً للعكس أحيانًا. وهذه القابلية قد ترتبط بفكرة أن كل متلقٍّ يمكن أن يرى في نفسه القدرة على الكتابة، حتى لو لم تستقر هذه الكتابة على مستوى جمالي رفيع. ومع ذلك، فإنها تُطرح وتُقرأ، وقد تُستهلك سريعًا، كأنها نصوصٌ عابرة، لكنها تعبّر –في الوقت ذاته– عن تحوّلاتٍ حقيقية في القيم.
ويكمل:" فإذا افترضنا أن البشرية أنتجت مقدارًا معينًا من المعرفة عبر تاريخها، فإن ما أُنتج في سنواتٍ قليلة من العصر الرقمي قد يوازي أضعاف ما أُنتج من قبل، في تسارعٍ هندسيٍّ متزايد. وهذه الوتيرة تجعل من الصعب على المؤسسات التقليدية مواكبة هذا التدفق، مما يستدعي أولًا محاولة تثبيت المشهد –وهو أمرٌ يبدو صعبًا– ثم الشروع في تحليله وفق المعطيات والقيم الجديدة.
ويواصل:" ولعل الفلسفات المنبثقة من التفكيك تمثّل نقطة انطلاق لفهم هذا الواقع، مع الأخذ في الاعتبار أن كل مرحلةٍ تاريخية تنتج فلسفتها ووعيها، بل وحتى علومها. ففي العصور القديمة، كان الثبات هو الفكرة المركزية، وانعكس ذلك على العلوم التي قامت على مفهوم الثوابت. ثم مع الانتقال إلى العصر الصناعي، برزت النسبية بوصفها مفهومًا مهيمنًا. أما في العصر الرقمي، فنحن نقترب من تفكيك اللحظة ذاتها، والنظر إلى العالم عبر أجزائه الدقيقة.
ويشير هيثم الحاج علي إلى أنه من هنا يمكن أن نفهم التحوّل في نماذج التفكير: من الثبات، إلى النسبية، إلى التفكيك. وهو تحوّل ينعكس على رؤيتنا للعالم، وعلى أدوار المبدع والمتلقي والنص، وهي أدوار لم تعد ثابتة، بل صارت متغيّرة، سائلة، تختلف من لحظةٍ إلى أخرى.
ويختتم:" وربما أكون قد أطلت، غير أن هذه المحاولة إنما تسعى إلى وضع أرضيةٍ لفهم طبيعة الأسئلة الجديدة، التي تبدو أكثر تعقيدًا، وأكثر انفتاحًا، وأشدّ سيولة، في عالمٍ تتبدّل فيه الأدوار والمعايير باستمرار..















0 تعليق