في ذكرى وفاة الفنان الكبير عبد العظيم عبد الحق، تتجلى أمامنا صورة رجل واحد جسد التزامًا فنيًا استثنائيًا، يجمع بين التلحين والتمثيل، ليترك إرثًا موسيقيًا وسينمائيًا نفيسًا، لا يزال صداها يتردد في وجدان الجمهور رغم مرور عقود على رحيله في 3 إبريل 1993.
ولد عبد العظيم عبد الحق في قرية أبي قرقاص بمحافظة المنيا عام 1905، في عائلة صعيدية مرموقة لها حضور سياسي واجتماعي بارز، إذ شغل إخوته مناصب وزارية عدة، ما زاد من ضغوط العائلة لمنعه من ممارسة الفن، غير أن شغفه بالموسيقى والغناء منذ المرحلة الابتدائية دفعه لتعلم العزف على آلات النفخ والإيقاع على يد المدرس شحاتة أفندي، كما التقى في سن الحادية عشرة بموسيقار مصر الخالد سيد درويش، الذي شجعه على الاستمرار.
وعلى الرغم من التحاقه بكلية الحقوق بالقاهرة بضغط من والده، ظل عبد العظيم عبد الحق يتدرب على الغناء والعزف مع فرقتي الشيخ محمود صبح والشيخ زكريا أحمد لمدة أربع سنوات لكل فرقة، بعد تخرجه، تقلد عدة وظائف حكومية، منها مدير التفتيش المالي والإداري بوزارة العمل، لكنه لم ينس شغفه بالموسيقى، وقرر الالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى العربية في سن الأربعين، حيث زامل أساطير الفن مثل عبد الحليم حافظ وكمال الطويل، وتخرج عام 1952 حاملًا الدبلوم، واعتبر إنتاجه الفني بديلًا لأولاده الذين لم يرزق بهم.
بدأ عبد العظيم عبد الحق مسيرته الفنية في الإذاعة عن طريق المذيع علي خليل، وقدم ألحانًا ناجحة منذ البداية، أبرزها أغنية "تحت الشجر يا وهيبة" التي كتب كلماتها عبد الرحمن الأبنودي، وواجهت صعوبات في النشر لرفض بعض كبار الملحنين لها قبل أن يتصدى لها عبد العظيم ببراعة، وقد نالت الأغنية نجاحًا ساحقًا، لتصبح جزءًا من التراث الموسيقي المصري، وتعد شهادة على قدرة عبد العظيم على فهم عمق الكلمات وتحويلها إلى لحن حي.
امتدت أعماله الغنائية لتشمل عشرات الأغاني، منها "وحدة ما يغلبها غلاب" لمحمد قنديل، و"الصيادين" لكارم محمود، و"قلبي حبك" لإسماعيل شبانة، و"الشمعاتين" و"ليالي الأندلس" لحورية حسن، و"يا مشمش" لعبد اللطيف التلباني، و"يا شاغل فكري" لليلى حلمي، و"غاوي عتاب" و"في قلبي غرام" لمحمد عبد المطلب، إلى جانب أعمال دينية مثل "بشاير" لسيد إسماعيل و"رسول السلامة" لسيد مكاوي، كما وضع موسيقى تصويرية لعدد من المسلسلات التلفزيونية، وكان أول من أدخل المقدمة الغنائية للمسلسلات، مثل "الرحيل" و"هارب من الأيام" و"النصيب" و"القاهرة والناس"، فضلًا عن أوبريتات إذاعية هامة.
لم يقتصر عبد العظيم على الموسيقى والإذاعة، بل اتجه إلى السينما في مرحلة متأخرة من حياته، بعد إحباطه من رفض الإذاعة لأغنية له عن نصر 6 أكتوبر 1973، وقدم أدوارًا بارزة في أفلام مثل "يحيا الحب" مع محمد عبد الوهاب، و"لصوص خمسة نجوم"، و"الفاس في الرأس"، و"الأراجوز"، و"الدرجة الثالثة"، و"بنت من ذهب"، و"الإرهاب والكباب"، حيث قدم دورًا لا ينسى في نحو دقيقة واحدة من الفيلم ليترك بصمة فنية كبيرة، رغم أن البعض اعتبره ممثلًا هامشيًا فقط.
ساهم عبد العظيم عبد الحق في إثراء الموسيقى التصويرية للأفلام الوثائقية، وحصل على جائزة من إيطاليا تقديرًا لإحداها، كما نال دروع التكريم في مصر: ميدالية العيد الذهبي للإذاعة عام 1984، ودرع العيد الفضي للتلفزيون عام 1985، مما يعكس تقدير المجتمع الفني لموهبته وإنجازاته.
كان عبد العظيم عبد الحق مثالًا للفنان الأصيل، الذي حافظ على نزاهته الفنية وابتعد عن الفن الهابط، مفضلًا الصدق الفني والذوق الرفيع في جميع أعماله، ورغم انشغاله بالتمثيل، ظل الملحن الكبير الذي قدم أكثر من 500 لحن شرقي شجي محفوظ في أرشيف الإذاعة المصرية، مؤكدًا مقولته: "كفى الفنان الأصيل أنه وأعماله ملك للتاريخ".












0 تعليق