معركة المياه الضخلة.. مضيق هرمز بين كماشة الألغام الإيرانية وسفن الكسح الأمريكية

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​لم تكن الحروب والصراعات العسكرية يوما مسألة تعتمد على القوة المجردة أو الكثافة النارية الهائلة، بل هي في جوهرها مسألة توظيف ذكي للقدرات المتاحة. يخضع مجال الصراع العسكري الحديث لمنطق مفارق تنقلب فيه مواطن القوة إلى نقاط ضعف واضحة. حيث تستطيع الوسائل الأبسط تقييد قوة كبرى، ويشكل مضيق هرمز تجسيدا حيا لهذا المنطق المفارق في عالمنا المعاصر حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية بوضوح تام.

​حسب تقارير لـ الجزيرة نت وكالات الأنباء ومراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية، فإن مضيق هرمز لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو أربعة وثلاثين كيلومترا فقط. ومع ذلك، فإن لغما معدنيا صغيرا يستقر في قاعه العميق أو يطفو بصمت على سطحه يكفي تماما لتحويل هذا الممر الحيوي إلى منطقة تهديد حقيقي لحركة الملاحة العالمية التي تعتمد عليه يوميا في نقل مصادر الطاقة والنفط بين مختلف الدول.

​تتكامل الطبيعة الجغرافية مع الوسائل العسكرية المتاحة في هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة التي تفصل بين المياه المفتوحة والخليج. تحد الممرات المائية الضيقة من قدرة السفن العملاقة على المناورة والهروب من الأخطار المفاجئة بأمان. كما تعد المياه الضحلة نسبيا، والتي لا يتجاوز عمقها في المتوسط نحو ستين مترا، بيئة بحرية مثالية لزراعة المتفجرات البحرية التي تعرقل تقدم الأساطيل العسكرية وحركة ناقلات النفط التجارية الكبرى.

​تتيح السواحل الإيرانية الجنوبية الطويلة، والتي تمتد لمسافات جغرافية شاسعة جدا، فرصة مثالية لنشر الألغام البحرية بكثافة عالية ومرونة. يتم هذا النشر غالبا عبر زوارق صغيرة وسريعة يصعب على الرادارات الغربية تعقبها بفعالية وسط حركة السفن المتدفقة. وفي ظل هذه الظروف الجغرافية المعقدة، لا تحتاج القيادة في طهران إلى كثافة نارية كلاسيكية كبيرة للسيطرة الميدانية، بل تحتاج أساسا إلى توزيع ذكي ومدروس للخطر الخفي.

​تستفيد القوات البحرية التابعة لإيران من معادلة اقتصادية وعسكرية غير متكافئة تميل لصالحها بشكل كبير في هذا المسرح البحري المعقد. حيث يمكن لسلاح تقليدي قديم وزهيد الثمن أن يلحق ضررا هيكليا هائلا ومكلفا بخصم أجنبي يمتلك تفوقا تكنولوجيا وعسكريا ضخما. هذه المعادلة الميدانية تجعل من مياه المضيق فخا طبيعيا يعقد أي محاولات عسكرية للسيطرة السريعة أو لتأمين خطوط الملاحة التجارية العالمية بشكل دائم ومستقر.

لعبة الجغرافيا والوسائل في مضيق هرمز

​تجسدت هذه المعادلة العسكرية غير المتكافئة بوضوح شديد ودام في شهر أبريل من عام الثمانية والثمانين تسعمائة وألف. حينها اصطدمت الفرقاطة الأمريكية الشهيرة صامويل بي روبرتس بلغم إيراني خطير مخفي في مياه الخليج العربي ببراعة. أدى هذا الاصطدام العنيف إلى فتح ثقب كبير جدا في هيكل السفينة الحربية وتكسير عارضتها الأساسية بشكل كاد أن يغرقها بالكامل وينهي مسيرتها العسكرية البحرية في تلك اللحظة.

​في حين لم تتجاوز التكلفة الفعلية لإنتاج ذلك اللغم الإيراني البسيط حوالي ألفي دولار أمريكي فقط لا غير، بلغت تكلفة عمليات إنقاذ وإصلاح الفرقاطة الأمريكية العملاقة قرابة تسعين مليون دولار أمريكي. أثبتت هذه الحادثة التاريخية الخطيرة للقيادة المركزية الأمريكية بشكل قاطع أن طهران تمتلك أوراق لعب تكتيكية خطيرة لا تعتمد مطلقا على المواجهة العسكرية المباشرة والمكشوفة، بل على حرب الاستنزاف والكمائن البحرية الخفية المباغتة.

​تقدر تقارير الاستخبارات الأمريكية الحديثة الصادرة في عام ستة وعشرين وألفين أن إيران تمتلك حاليا ترسانة عسكرية ضخمة تضم أكثر من خمسة آلاف لغم بحري متنوع. وتشير المعلومات الدقيقة إلى أن طهران بدأت بالفعل وبشكل سري مؤخرا في نشر عدد محدود من هذه الألغام داخل مضيق هرمز الحيوي، مما يمنح قواتها المسلحة قدرة غير متكافئة لتعطيل حركة السفن العابرة ورفع كلفة أي تدخل أجنبي.

​يشكل هذا التحرك الإيراني المستمر تهديدا استراتيجيا مباشرا لأهم ممر مائي لنقل الطاقة في العالم أجمع، والذي ينقل عادة نحو خمس إجمالي إنتاج النفط الخام العالمي للأسواق الدولية. وقد دفعت هذه التطورات الميدانية الخطيرة الإدارة الأمريكية إلى إطلاق تحذيرات سياسية وعسكرية صارمة من عواقب غير مسبوقة إذا لم تتم إزالة هذه المتفجرات البحرية فورا، مؤكدة على استعدادها لاتخاذ خطوات حاسمة وتصعيدية لتأمين تدفق التجارة.

​في المقابل، تمتلك العاصمة الأمريكية واشنطن حزمة عسكرية وتكنولوجية متكاملة من قدرات مكافحة وإزالة الألغام لتأمين المضيق الحيوي وكسر هذا النمط المزعج من الردع الإيراني المتصاعد. تتصدر هذه القدرات البحرية الغربية سفن القتال الساحلي الأمريكية المتطورة، المعروفة اختصارا باسم إل سي إس، والتي تعتبر أداة مركزية متخصصة للتعامل مع هذا التهديد. صممت هذه السفن الحربية خصيصا للعمل بكفاءة في المياه الضحلة والبيئات الساحلية التكتيكية.

تاريخ محفوف بالمتفجرات تحت سطح الماء

​غير أن عمليات إزالة هذه الألغام البحرية الخطيرة والمعقدة لن تجري أبدا في بيئة بحرية محايدة أو آمنة على الإطلاق بالنسبة للأمريكيين. بل ستتم تحت طيف واسع ومتعدد من التهديدات القتالية القاتلة التي تعوق عمل كاسحات الألغام بشكل مستمر. تشمل هذه التهديدات الإيرانية المتنوعة صواريخ ساحلية متطورة ومضادة للسفن قادرة دوما على استهداف القطع البحرية الغربية المبحرة داخل الممر الضيق الذي يحد من حريتها.

​كما تواجه القوات البحرية الأمريكية تهديدا ميدانيا إضافيا وكبيرا يتمثل في أسراب الزوارق السريعة الإيرانية الهجومية التي يمكنها شن هجمات بحرية جماعية ومباغتة لتشتيت انتباه القطع البحرية الكبيرة. يضاف إلى ذلك التهديد التكنولوجي المتزايد للطائرات المسيرة الانتحارية الحديثة، فضلا عن أجهزة التشويش الإلكتروني المتقدمة وعمليات الاستطلاع الاستخباراتية المستمرة التي تكشف مواقع تحركات السفن الأجنبية وتحد تماما من قدرتها على العمل بأمان وحرية داخل مسرح المعركة.

​في ظل هذه الظروف الميدانية المعقدة والمترابطة بشكل وثيق، تتحول عملية اكتشاف وإزالة الألغام العسكرية إلى جهد تقني بطيء جدا ومعرض للانقطاع المستمر والتشويش الميداني. وتزداد مستويات الخطورة مع إمكانية قيام وحدات القوات الإيرانية السرية بإعادة زرع وتوزيع الألغام ليلا بوتيرة عملياتية أسرع بكثير من تلك التي تتم بها مهام الإزالة والمسح الجيولوجي للقاع. مما يجعل المضيق يتحول لساحة تستنزف الموارد والجهد والوقت تدريجيا.

​يطرح هذا المشهد الاستراتيجي المتوتر تساؤلات تكتيكية وجوهرية حول ما إذا كانت هذه السفن الأمريكية المتطورة قادرة حقا وميدانيا على فرض ممر مائي آمن ومستقر لتمرير شحنات التجارة العالمية العملاقة. أم أن طبيعة هذه المعركة العسكرية غير المتكافئة ستجعل حتما من كل محاولة جادة لفتح الممر المائي الهام مجرد إجراء عملياتي مؤقت ينتهي بخيبة أمل كبرى. لفهم هذا المشهد، يتوجب علينا دراسة التطور التاريخي للسلاح.

​تعود البدايات الأولى والموثقة لاستخدام الألغام البحرية في المعارك إلى القرن الرابع عشر الميلادي تقريبا، حيث ابتكر القادة الصينيون عبوات ناسفة بدائية لمواجهة سفن أعدائهم التقليديين. كانت هذه العبوات العتيقة تصنع بذكاء بدائي من مثانة حيوانية بحرية محكمة العزل لمنع تسرب المياه والأملاح إليها، وتحتوي بداخلها على شحنة متفجرة كيميائية تشعل يدويا عبر فتيل ممتد للسطح. كانت تلك هي النواة الأولى لتأسيس سلاح استراتيجي جديد.

فئات الألغام من التلامس البسيط إلى القاع الذكي

​لاحقا وفي عام سبعة وسبعين وسبعمائة وألف، طور المهندس والمخترع الأمريكي الشاب ديفيد بوشنل أول لغم بحري عسكري بمعناه الميكانيكي الحديث والمعروف حاليا. قام بوشنل بوضع برميل خشبي كبير مملوء بالبارود الأسود في مياه نهر ديلاوير، وزوده بصاعق ميكانيكي حساس يفعل تلقائيا عند اصطدامه الفعلي بأي جسم صلب متحرك. كان الهدف الأساسي من هذا الابتكار المفاجئ هو استهداف السفن البريطانية الحربية الضخمة خلال حرب الاستقلال.

​ورغم أن هذا الهجوم المائي التاريخي لم ينجح في إغراق أو تدمير أي سفينة حربية بريطانية كبيرة كما كان مخططا له، إلا أنه أرسى بنجاح مبدأ عسكريا قتاليا جديدا وحاسما للغاية. فقد أثبت ميدانيا أن عبوة متفجرة صغيرة الحجم نسبيا ومخفية جيدا بمهارة تحت سطح الماء يمكنها أن تثير الرعب وتربك أسطولا بحريا متكاملا. ومنذ ذلك التاريخ المبكر، لم تتوقف الألغام البحرية عن التطور السريع.

​رافقت الألغام البحرية التكتيكية كل الحروب الكبرى المدمرة في العصر الحديث تقريبا، لتصبح بشكل تدريجي سلاحا لا غنى عنه مطلقا للدول الأقل تسليحا وعتادا. في الحرب العالمية الأولى الطاحنة، زرع الحلفاء والقوات الألمانية مئات الآلاف من هذه العبوات المتفجرة في البحار المفتوحة والمحيطات العميقة. وكان أبرز وأهم تجليات هذا السلاح البحري ما عرف تاريخيا وعسكريا باسم حاجز بحر الشمال، وهو حقل تدميري ضخم ومرعب للغاية.

​كان الهدف الرئيسي والاستراتيجي من ذلك الحاجز البحري الضخم تقييد حركة عبور السفن التجارية الحيوية والغواصات الألمانية المتقدمة ومنعها التام من الإبحار بحرية مطلقة في المياه الدولية المفتوحة. وفي حقبة الحرب العالمية الثانية اللاحقة، بلغت تقنيات صناعة الألغام ذروتها التكنولوجية وتحولت سريعا إلى أحد أكثر وأخطر الأسلحة البحرية فتكا وتدميرا. حيث تسببت بالفعل في إغراق أعداد كبيرة جدا من أضخم السفن العسكرية والتجارية التابعة للمتحاربين.

​يكشف هذا المسار العسكري والتاريخي الطويل والممتد عبر القرون عن حقيقة ميدانية ثابتة وراسخة لا يمكن للخبراء إنكارها بأي حال من الأحوال. ومفاد هذه الحقيقة الراسخة هي أن اللغم البحري يشكل سلاحا دفاعيا وهجوميا ذا تكلفة اقتصادية منخفضة للغاية، ولكنه في المقابل الميداني المباشر يحمل تأثيرا استراتيجيا ونفسيا مرتفعا وصادما جدا. فهو يعطل الملاحة كليا، ويرفع تكلفة التأمين، ويستنزف القدرات البحرية للخصم المتفوق تكنولوجيا.

ترسانة طهران وصدمة الفرقاطة صامويل روبرتس

​تنقسم الألغام البحرية العسكرية في شكلها التكنولوجي المعاصر وتطورها العملياتي الحالي إلى أربع فئات قتالية رئيسية تحدد طبيعة عملها التكتيكي ومستوى خطورتها. يتحدد الفارق الهندسي والجوهري بين هذه الفئات المتنوعة بناء على موقع استقرار اللغم في طبقات الماء العميقة، بالإضافة إلى الآلية الميكانيكية أو الإلكترونية المعقدة المستخدمة لتفجيره. أول وأشهر هذه الفئات التاريخية هو اللغم المربوط الكلاسيكي، وهو النوع الأقدم والأكثر شيوعا واستخداما في الحروب.

​يتكون اللغم المربوط التقليدي من رأس حربي ذي شكل كروي معدني يطفو خفية وراء الأمواج تحت سطح الماء مباشرة ليكون بدقة في مسار السفن العابرة. يتم تثبيت هذا الرأس المتفجر بواسطة كابل معدني قوي جدا ومتصل بمرساة ثقيلة تستقر بقوة وثبات في قاع البحر المظلم. يحتوي النصف السفلي من هذا الرأس الحربي على المواد المتفجرة القوية، بينما يوفر الجيب الهوائي في النصف العلوي قوة الطفو.

​تبرز على السطح الخارجي الدائري لهذا اللغم قرون معدنية استشعارية حساسة تحتوي بداخلها على أمبولات زجاجية هشة ومملوءة بمحلول كيميائي إلكتروليتي موصل للكهرباء. وعندما يصطدم هيكل أي سفينة عابرة ضخمة بأحد هذه القرون البارزة والمميتة، تنكسر الأمبولات الزجاجية على الفور ويسيل المحلول الكيميائي السام داخل خلية معدنية جافة. يؤدي هذا التفاعل السريع إلى إغلاق الدائرة الكهربائية بالكامل وتفجير اللغم بقوة تدميرية هائلة ومرعبة في ثوان.

​هذا التصميم الهندسي العبقري والبسيط في الوقت ذاته، والذي ابتكره وطوره المهندسون العسكريون الألمان في مطلع القرن العشرين الماضي ببراعة، لا يزال يحتفظ بفعاليته التامة وقدرته التدميرية حتى يومنا هذا المليء بالتكنولوجيا. أما الفئة الثانية من هذه الأسلحة الفتاكة البحرية فهي اللغم الطافي الحر، والذي يعتبر أبسط الأنواع من حيث التصميم والتشغيل. فهو يتحرك بحرية تامة وبلا توجيه مع التيارات المائية دون أي ارتباط بالقاع.

​تكمن الخطورة الكبرى والاستثنائية لهذا النوع المتحرك في صعوبة التنبؤ بمساره العشوائي تماما، مما قد يدفعه سريعا إلى الانجراف بصمت غادر بعيدا عن منطقة زرعه الأصلية. وقد سعت اتفاقية لاهاي الدولية للسلام الموقعة عام سبعة وتسعمائة وألف إلى تقييد أو منع استخدام هذه الألغام الطافية العشوائية بسبب طبيعتها التدميرية غير القابلة للسيطرة، والتي تهدد خطوط الملاحة المدنية بالدرجة الأولى وتخالف كل قوانين الحروب والأعراف الدولية.

الانسحاب الأمريكي القديم وسفن القتال الساحلية

​غير أن هذا القيد القانوني والأخلاقي الدولي الصارم لم يمنع مطلقا ظهور الألغام الطافية بكثافة في الممارسة الميدانية الفعلية للحروب الحديثة والمعاصرة. كما أن انقطاع كابل التثبيت القوي والخاص باللغم المربوط التقليدي، سواء حدث ذلك بفعل عمليات الكسح العسكرية المتعمدة أو بسبب التآكل الكيميائي وعوامل الطبيعة البحرية القاسية، يمكن أن يحوله فجأة وبلا إنذار إلى لغم طاف وحر تماما. هذا التحول العشوائي يضاعف بشكل دراماتيكي مستوى التهديد.

​أما الفئة الثالثة والأكثر تعقيدا وتدميرا فهي اللغم القاعي الحديث، والذي يعد الأخطر والأكثر تطورا وفتكا في ترسانة الأسلحة البحرية العالمية المعاصرة. يستقر هذا اللغم المتقدم تكنولوجيا بهدوء تام في قاع البحر العميق، مما يتيح للمصنعين العسكريين تعبئته بأوزان هائلة وضخمة جدا من الشحنات المتفجرة الشديدة. كما أنه لا يعتمد على التلامس المباشر والمادي مع بدن السفينة الهدف لتفعيل الانفجار المدمر بل يعمل بأسلوب مختلف.

​بدلا من التلامس الجسدي، يعمل هذا اللغم الحديث عبر ما يعرف في القاموس العسكري المتقدم بأنظمة التأثير الاستشعاري المتطورة. فهو يرصد البصمة الفريدة والمميزة للسفينة المارة فوقه باستخدام مجموعة معقدة ومدمجة من المستشعرات الدقيقة جدا. تشمل هذه المنظومة الآلية كواشف مغناطيسية حساسة للغاية ترصد أدنى تغير طفيف في المجال المغناطيسي المستقر للأرض والذي يحدث والناتج عن مرور الهيكل المعدني الضخم للسفينة عبر كتلة الماء فوقه.

​تتضمن المنظومة المعقدة أيضا هيدروفونات صوتية متقدمة للغاية، وهي عبارة عن ميكروفونات بحرية حساسة مصممة خصيصا لرصد وتضخيم الأصوات الخافتة تحت الماء بدقة. تلتقط هذه الهيدروفونات ضوضاء المحركات الضخمة واهتزازات دوران المراوح المعدنية بدقة فائقة وبلا خطأ. إضافة إلى ذلك، توجد مستشعرات ضغطية فائقة الحساسية تقيس أي تغير هيدروليكي في ضغط الماء المحيط بها والناتج مباشرة عن إزاحة السفينة الكبيرة العابرة من فوق موقع اللغم.

​هذا المزيج التكنولوجي الهندسي المعقد من المستشعرات الدقيقة يتيح للغم الذكي القدرة الفائقة على التمييز بدقة بالغة بين الأهداف البحرية المتنوعة المارة فوقه. بحيث يمكنه برمجيا تجاهل السفن المدنية الصغيرة أو القطع البحرية الخفيفة غير ذات الأهمية العسكرية، والبقاء في حالة كمون تام وسكون عميق. وينتظر اللغم الذكي بصبر طويل مرور الهدف العسكري الثمين والمحدد مسبقا أو الناقلة العملاقة المرغوبة قبل تفعيل صاعق التفجير المميت.

مستويات المواجهة بين الجو والسطح والأعماق

​ولا يتوقف الأمر الاستراتيجي عند هذا الحد المتقدم من التعقيد التكنولوجي، إذ يمكن برمجة الألغام القاعية الحديثة وتزويدها بمؤقتات تأخير متطورة جدا. تجعل هذه المؤقتات اللغم خاملا وآمنا تماما لفترة زمنية محددة مسبقا بعد عملية الزرع الميداني مباشرة. كما يتم تزويدها بخبث بعدادات إلكترونية رقمية تسمح للغم بتجاهل عدد معين من الإشارات الصوتية والمغناطيسية للسفن العابرة قبل تفعيل الشحنة وتدمير الهدف المقصود في الوقت المناسب.

​تجعل هذه الخصائص التكنولوجية المتقدمة والحساسة الألغام القاعية أكثر خداعا ومكرا وخطورة على قوات وفرق مكافحة الألغام البحرية. إذ قد تمر وحدات الكسح التقليدية والسفن الكاشفة فوقها عدة مرات متتالية دون أن تستجيب وتنفجر مطلقا. يخلق هذا الصمت المبرمج بذكاء انطباعا زائفا وخطير لدى القوات البحرية المعادية بأن المنطقة المائية باتت آمنة ونظيفة تماما، بينما تظل الألغام المميتة كامنة وتنتظر بصمت اللحظة القاتلة لضرب أهدافها.

​أخيرا، تأتي الفئة الرابعة والأخيرة من هذه الأسلحة الفتاكة المتنوعة، والمعروفة عسكريا باسم اللغم اللاصق أو ليمبت، نسبة إلى حلزون بحري لزج وشديد الالتصاق بالصخور الصلبة. هذا اللغم التخريبي يتميز بحجمه الصغير وسهولة حمله الفردية، ويثبت يدويا وبكل دقة متناهية على هيكل السفينة المستهدفة تحت مستوى خط الماء. تتم عملية التثبيت الخطرة بواسطة غواص محترف ومدرب أو سباح متسلل باستخدام مغناطيسات قوية لضمان الالتصاق التام.

​يفجر هذا اللغم التخريبي الصغير عادة بواسطة مؤقت زمني دقيق ومبرمج، مما يمنح الغواص المنفذ للعملية فرصة كافية للانسحاب والابتعاد بأمان قبل وقوع الانفجار. وقد طور الخبراء العسكريون البريطانيون هذا النوع الفعال خلال الحرب العالمية الثانية لتنفيذ عمليات التخريب الخاصة والسرية خلف خطوط العدو المحصنة. وهدفه الأساسي في الغالب ليس إغراق السفينة بالكامل، بل شل حركتها ومناورتها عبر استهداف وتدمير المروحة الدافعة أو دفة التوجيه.

​تقدر تقارير الكونغرس الأمريكي الدورية والمتخصصة أن مخزون دولة إيران المتنامي من الألغام البحرية يشمل مزيجا متنوعا من ألغام التلامس المربوطة القديمة والألغام القاعية المتطورة تكنولوجيا. وهو مخزون استراتيجي هائل تراكم وتنوع بخطى حثيثة على مدار أكثر من أربعة عقود متواصلة ومكثفة، سواء عبر خطوط الاستيراد السري من الخارج أو من خلال برامج التصنيع والإنتاج والتطوير المحلي المستمر التي أشرف عليها وأدارها الحرس الثوري الإيراني.

بيئة معادية وتحديات الطائرات والزوارق الانتحارية

​على مستوى ترسانة الألغام التقليدية الكلاسيكية المعروفة، تقدر قدرات البحرية الإيرانية بنحو ألفي لغم جاهز ومعد للزرع الميداني السريع وقت الحاجة. من أبرز هذه الأنواع المصنعة محليا ألغام صدف وألغام إم ثمانية التدميرية. وهذا الأخير تحديدا هو السلاح الخطير الذي كاد أن يتسبب فعليا في إغراق الفرقاطة الأمريكية الضخمة صامويل بي روبرتس في أواخر الثمانينيات، مخلفا وراءه صدمة كبرى وذهولا لدى قيادة الأسطول الأمريكي المتمركز بالمنطقة.

​أما عن الألغام الأكثر تطورا وتعقيدا وفتكا لدى البحرية الإيرانية فتشمل ترسانة خطيرة من الألغام القاعية المستوردة بعناية من فئة إم دي إم ستة الروسية الصنع والمنشأ. يحمل هذا اللغم الاستراتيجي الخطير رأسا حربيا ثقيلا ومدمرا للغاية يصل وزنه الإجمالي إلى نحو ألف ومئة كيلوغرام من المواد المتفجرة الفعالة. إلى جانب ذلك، تبرز الألغام المتقدمة من طراز إم سي اثنان وخمسون المصنوعة من غلاف خاص غير مغناطيسي.

​يقلل هذا الغلاف البلاستيكي المعقد والفريد من احتمالات اكتشاف اللغم بواسطة أجهزة السونار الغربية التقليدية ويربك تماما أنظمة الكسح الكهرومغناطيسية الحديثة التي تعتمد عليها السفن الغربية لتطهير الممرات. كما تمتلك طهران بفضل جهودها الذاتية لغم ماهام اثنين الذي يتم إنتاجه وتطويره محليا بالكامل بخبرات إيرانية. غير أن التهديد الأكبر والأكثر رعبا في هذا السياق البحري يتمثل بوضوح في لغم إي إم اثنان وخمسين الصيني المنشأ والمستورد حديثا.

​ينتمي هذا اللغم الصيني المستورد إلى فئة الألغام الصاعدة فائقة التطور تكنولوجيا، إذ يستقر بهدوء تام وصمت مطبق في قاع البحر على أعماق سحيقة ومظلمة قد تصل بسهولة إلى مائتي متر تحت السطح. وعندما ترصد مجساته الآلية الحساسة جدا بصمة الهدف المطلوب والمسجل، يطلق اللغم مقذوفا صاروخيا عموديا سريع جدا وقاتلا بإمكانه اختراق وإصابة أسفل هيكل السفينة العابرة بقوة تدميرية هائلة يصعب النجاة منها أو تلافيها.

​يجمع هذا السلاح الاستثنائي والخطير ببراعة بين ميزة التخفي التام تحت الرواسب التي تميز الألغام القاعية التقليدية، وبين قدرة الاشتباك الصاروخي القوي مع أهداف كبرى تبحر في أعماق أكبر بكثير مما تصل إليه الألغام العادية. يوسع هذا الدمج التكنولوجي المرعب من نطاق التهديد الإيراني العسكري بشكل ملحوظ للعيان. وتشير التقديرات العسكرية الغربية إلى أن نشر هذا النوع المتقدم ميدانيا قد يتطلب حتما استخدام غواصات متخصصة كغواصات كيلو.

​يعكس امتلاك البحرية في طهران لغواصات كيلو الروسية المتقدمة والقادرة على زرع الألغام الصاعدة سرا مستوى أعلى بكثير من التعقيد العملياتي الميداني في توظيف هذه القدرات الاستراتيجية الهائلة. في المقابل التكتيكي، ترصد تقارير البنتاغون المتخصصة فجوة استراتيجية وعملياتية لافتة في الجاهزية الأمريكية الفعلية للتعامل مع هذا التهديد المتنامي بقوة. تتمثل هذه الفجوة الخطيرة في ضعف التقدير المسبق وعدم اكتمال الاستعداد العملياتي والميداني للأسطول الخامس المرابط بالمياه الإقليمية.

​بينما كانت طهران تعكف بهدوء وصبر استراتيجي طويل على تطوير أدواتها العسكرية وتراكم قدراتها التدميرية النوعية في مجال حرب الألغام البحرية الخفية، كانت دوائر صنع القرار في واشنطن تتحرك في اتجاه عسكري معاكس تماما. حيث اعتمد النهج الأمريكي الحديث على إعادة هيكلة وتقليص قدراتها التقليدية القديمة في مجال كاسحات الألغام، وذلك بناء على خطط مستقبلية طموحة، ولكن هذا التفكيك حدث للأسف دون اكتمال نشر وتفعيل البدائل التكنولوجية الجديدة.

​في شهر سبتمبر من عام خمسة وعشرين وألفين تحديدا، أخرجت قيادة البحرية الأمريكية آخر أربع كاسحات ألغام تقليدية وموثوقة من فئة أفنجر من مسرح عمليات الخليج العربي الملتهب. أنهى هذا القرار المفاجئ والمثير للجدل وجودا عملياتيا ميدانيا لهذه السفن المتخصصة والفعالة استمر لأكثر من ثلاثة عقود كاملة وحافلة بالإنجازات. وجاء هذا الانسحاب الخطير في إطار خطة التحول الاستراتيجي نحو مفهوم جديد يعتمد كليا على الأنظمة المسيرة وغير المأهولة.

​المفارقة الصارخة والخطيرة هنا أن سفن أفنجر المتخصصة والمجربة وصلت بالفعل إلى ميناء فيلادلفيا الأمريكي للتخريد والتقاعد النهائي في ذات التوقيت الحرج الذي بدأت فيه تقارير الاستخبارات تشير لتصعيد إيراني جديد. حيث أكدت الصور الفضائية والمعلومات الميدانية قيام طهران بالبدء في زرع ألغام بحرية داخل مياه مضيق هرمز لتهديد الملاحة، مما كشف عن فجوة زمنية واستراتيجية خطيرة بين تفكيك السلاح القديم الموثوق وتفعيل السلاح الآلي الجديد.

​الجدير بالذكر أن سفن أفنجر الكلاسيكية كانت مصممة بعبقرية هندسية من هياكل خشبية صلبة مغلفة بالكامل بألياف زجاجية حديثة ومتينة. ساعد هذا التصميم المبتكر وغير التقليدي على تقليل بصمتها المغناطيسية للحد الأدنى الممكن، مما يمنع تماما تفعيل الألغام التأثيرية الحساسة أثناء إبحار السفينة فوقها. هذه الميزة العملياتية الفريدة كانت تتيح للسفينة البقاء والعمل بأمان تام وفعالية داخل حقول الألغام نفسها لتدميرها وتأمين الممرات البحرية الحرجة والتجارية.

​بفضل هذه التصميمات العبقرية والموثوقية الميدانية العالية، ساهمت سفن أفنجر بفعالية مطلقة ونجاح باهر في كشف وتدمير آلاف الألغام البحرية الخطيرة قبالة سواحل دولة الكويت والمملكة، والتي زرعها النظام العراقي بكثافة شديدة خلال حرب الخليج مطلع التسعينات. أما البديل التكنولوجي الجديد وغير المجرب الذي تراهن عليه البحرية الأمريكية اليوم لتعويض هذا الفراغ الميداني الخطير، فهو سفن القتال الساحلي الحديثة والمتطورة تكنولوجيا والمعروفة اختصارا باسم إل سي إس.

​تختلف فلسفة وطبيعة عمل سفن القتال الساحلي الجديدة جذريا وكليا عن كاسحات الألغام البحرية التقليدية ذات الهياكل الخشبية الآمنة. فبدلا من الدخول المباشر والمخاطرة الميدانية وسط حقل الألغام الخطير، تعتمد هذه السفن الحديثة على تكتيك البقاء في مناطق بحرية آمنة خارج دائرة التهديد المباشر والمميت. ومن هناك وفي أمان، تقوم بإرسال ونشر أنظمة آلية ومسيرات غير مأهولة للقيام بمهام البحث والتعطيل والتدمير الخطرة والبالغة الدقة بدلا عنها.

​تشمل الحزمة التكنولوجية والعسكرية المعقدة التي تحملها سفن القتال الساحلية مزيجا متطورا من المنصات الاستطلاعية الحديثة. وتعتمد المنظومة القتالية عمليا على ثلاثة مستويات تشغيلية متكاملة للتعامل مع التهديد تحت المائي بفعالية. المستوى الأول جوي تماما ويعتمد على مروحيات سي هوك الحديثة التي تنطلق بسرعة فائقة من سطح السفينة الأم، وهي مزودة بنظام مسح ليزري محمول جوا يمشط سطح المياه الضحلة بحثا عن التهديدات العائمة والقريبة من السطح.

​المستوى الثاني في هذه المنظومة سطحي بالكامل، ويعتمد على تسيير زورق متطور ومسلح غير مأهول يعمل كمنصة استطلاع ذكية ومتقدمة. هذا الزورق الآلي مزود بسونار عالي الدقة لمسح القاع ورسم صورة ثلاثية الأبعاد له لاكتشاف الألغام المربوطة والقاعية. كما يحمل نظاما إلكترونيا معقدا يقوم بمحاكاة البصمة الصوتية والمغناطيسية لسفينة حربية حقيقية، بهدف ذكي وهو استدراج الألغام الذكية لتنفجر بعيدا عن مسار الأسطول العسكري وحركة الملاحة المدنية.

​أما المستوى الثالث والأخير فهو تحت الماء بالكامل، ويعتمد أساسا على مسيرات مغمورة وغواصات آلية صغيرة مصممة خصيصا للبحث الدقيق عن الألغام القاعية الخفية والمدفونة بعمق في الرواسب الطينية التي تعجز الأنظمة العادية عن رصدها. ورغم هذه التجهيزات التكنولوجية والنظرية المذهلة والمبهرة، تؤكد تقارير البنتاغون السرية لعام خمسة وعشرين وألفين أن هذه المنظومة الحديثة لم تختبر فعليا وميدانيا في ظروف قتال معقدة وعالية الخطورة لتأكيد نجاحها المؤكد.

​واجه برنامج سفن القتال الساحلية الأمريكية الحديثة إخفاقات عديدة ومحبطة منذ مراحله الأولى للتصنيع بسبب أعطال ميكانيكية متكررة وخطيرة في أنظمة الدفع المعقدة. إضافة إلى ذلك العيب، تصنع هذه السفن الحديثة كليا من معدن الألومنيوم الخفيف بدلا من الخشب المعالج والألياف الزجاجية، مما يجعل بصمتها المغناطيسية مرتفعة جدا ويحرمها تماما من قدرة الدخول الآمن لحقول الألغام المتفجرة. وهذا يقيد حركتها ويجعلها معتمدة كليا على مسيراتها الآلية بضعف.

​تتعقد مهمة هذه السفن البحرية أكثر عند الأخذ في الاعتبار الجدي لبيئة التهديد العسكري المتعددة الطبقات في مياه مضيق هرمز ومحيطه القريب. فلا توجد رؤية بصرية واضحة في مياه المضيق العكرة والمظلمة، كما تنتشر بكثافة على الساحل الإيراني المقابل منصات إطلاق صواريخ متحركة ومضادة للسفن مثل صواريخ نور وقادر الباليستية والتكتيكية الخطيرة. هذه الأسلحة الإيرانية الفتاكة تحلق على ارتفاعات منخفضة جدا مما يصعب من مهمة الرادارات الأمريكية لرصدها.

​إضافة لهذه الصواريخ القاتلة والمتطورة، يمتلك سلاح بحرية الحرس الثوري أسرابا هائلة وكبيرة من الزوارق السريعة الانتحارية، ومسيرات جوية مفخخة ذكية، وغواصات غدير الصغيرة المصممة خصيصا لبيئة المياه الضحلة. يعني كل هذا التشابك أن السفن الأمريكية ستحتاج حتما إلى غطاء جوي وبحري كثيف ومستمر لتنفيذ مهامها البطيئة، وهو أمر يرهق الموارد العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين بشكل يجعل من تأمين المضيق تحديا استراتيجيا قتاليا وغير مسبوق ومكلف للغرب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق