(المسرح المدرسي.. سياسة ثقافية لصناعة الوعي)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف


 

في لحظة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة في جوهرها، جاء توجيه الدكتورة جيهان زكي، وزيرة وثقافة مصر، بفتح مسارح الدولة مجانًا أمام طلاب المدارس، كإشارة واضحة إلى تحول في التفكير الثقافي الرسمي: من استهلاك الفن إلى صناعته، ومن مركزية المؤسسة إلى إتاحة المجال للأجيال الجديدة كي تصعد إلى الخشبة لا أن تظل في مقاعد المتفرجين. وهي نقلة لا تتعلق فقط بإتاحة المكان، بل بإعادة تعريف دور الدولة الثقافي نفسه، بوصفه حاضنًا للمواهب لا مجرد مُشغّل للمؤسسات.

القرار، الذي يمهد لإطلاق المهرجان القومي المصري للمسرح المدرسي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، لا يمكن قراءته بوصفه مبادرة ثقافية عابرة، بل باعتباره جزءًا من رؤية أوسع تتقاطع مع توجه الدولة نحو الاستثمار في الإنسان، وهو التوجه الذي يحظى برعاية مباشرة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث لم يعد اكتشاف الموهبة رفاهية، بل ضرورة وطنية ترتبط ببناء الوعي وتعزيز القوة الناعمة. فالدولة التي تُراهن على الإنسان، تُدرك أن الثقافة ليست قطاعًا منفصلًا، بل ركيزة في تشكيل الوجدان العام.

المسرح المدرسي، في هذا المسار، يستعيد موقعه الطبيعي كأحد أخطر أدوات التشكيل الوجداني والعقلي. فهو ليس مجرد نشاط فني يُمارس على هامش اليوم الدراسي، بل مساحة حية لتعلم الاختلاف، واكتساب الثقة، وتدريب الوعي على مساءلة الواقع. وعلى هذه الخشبة الصغيرة، تتشكل أولى ملامح الشخصية القادرة على التعبير لا التلقي، وعلى الفعل لا الانفعال، وعلى طرح الأسئلة لا الاكتفاء بالإجابات الجاهزة. كما يمنح الطالب فرصة لاكتشاف ذاته خارج الأطر التقليدية للتقييم، حيث يصبح الإبداع معيارًا موازيًا للتفوق الدراسي.

فتح مسارح البيت الفني للمسرح والهيئة العامة لقصور الثقافة أمام الطلاب يحمل بعدًا رمزيًا لا يقل أهمية عن بعده العملي. فالدولة هنا لا تكتفي بتقديم الدعم، بل تعيد تعريف علاقتها بالجمهور: من جمهور مستهلك إلى شريك مُنتج، ومن متلقٍ سلبي إلى فاعل في صناعة المعنى. وهي نقلة، إذا اكتملت شروطها، يمكن أن تعيد توزيع الخريطة الثقافية في مصر، وتكسر احتكار المركز لصالح الأطراف، وتمنح الهامش فرصة حقيقية ليصبح مركزًا للإبداع، لا مجرد متلقٍ له.

بيد أن الرهان الحقيقي لا يكمن في فتح الأبواب، بل في ما سيحدث بعدها. فالمواهب لا تنمو بمجرد الإتاحة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة: تدريب احترافي، إشراف تربوي وفني، متابعة مستمرة، وآليات تقييم تضمن التطور لا الاكتفاء بالمشاركة. وهنا تبرز أهمية التكامل الفعلي—لا الشكلي—بين مؤسسات الثقافة والتعليم، بحيث يصبح المسرح جزءًا أصيلًا من بنية العملية التعليمية، لا نشاطًا هامشيًا يُمارس عند توافر الوقت. كما يتطلب الأمر إعادة تأهيل المعلمين أنفسهم ليكونوا شركاء في هذه التجربة، لا مجرد مشرفين عليها.

كما أن الحديث عن "العدالة الثقافية" يظل ناقصًا ما لم تُترجم هذه الإتاحة إلى فرص متكافئة فعليًا بين المحافظات. فالتحدي ليس في إعلان المشاركة، بل في تمكينها؛ وليس في دعوة الجميع إلى الخشبة، بل في ضمان قدرة الجميع على الوصول إليها، سواء عبر الدعم اللوجستي أو توفير البنية التحتية أو تأهيل الكوادر المحلية القادرة على قيادة التجربة. وهنا يصبح قياس الأثر أكثر أهمية من عدد المشاركات، لأن القيمة الحقيقية تكمن في جودة التجربة لا اتساعها فقط.

يكتسب تشكيل اللجنة التأسيسية للمهرجان، في هذا المضمار،برئاسة المخرج هشام عطوة، وبمشاركة نخبة من الفنانين والخبراء والإعلاميين، أهمية خاصة. فالتنوع في الخبرات يفتح المجال أمام رؤية أكثر شمولًا، تجمع بين الحس الفني والخبرة التربوية والقدرة التنظيمية. غير أن هذا التنوع يظل رهينًا بآلية إدارته: هل سيتحول إلى طاقة خلاقة، أم يظل مجرد تمثيل شكلي لا ينعكس على أرض الواقع؟ الإجابة هنا ستحدد مستقبل المشروع لا بدايته.

إن نجاح هذه المبادرة مرهون أيضًا بقدرتها على الاستمرار، لا الاكتفاء بزخم البداية. فالمشروعات الثقافية الكبرى لا تُقاس بلحظة إطلاقها، بل بقدرتها على التراكم، وعلى إنتاج أثر ممتد يتجاوز الحدث إلى بناء تقليد راسخ. والمسرح المدرسي، إذا ما كُتب له هذا الاستمرار، يمكن أن يصبح أحد أهم روافد الحياة الثقافية في مصر، ومخزنًا حقيقيًا لاكتشاف وصقل المواهب، بل ومسارًا بديلًا لإعادة إنتاج النخبة الثقافية من جذورها.

نحن أمام محاولة جادة،في جوهر الأمر،لإعادة الاعتبار لدور الثقافة في تشكيل الوعي، لا بوصفها ترفًا، بل كأحد أعمدة الأمن القومي المعنوي. فالمجتمعات لا تُبنى بالقوة الصلبة وحدها، بل بما تمتلكه من قدرة على إنتاج المعنى، وصياغة الوعي، وحماية هويتها من التآكل.

لا تعود الخشبة في هذا المقام مجرد مساحة للعرض، بل تتحول إلى مختبر لإنتاج الإنسان نفسه؛ إنسان قادر على أن يرى ما وراء الظاهر، وأن يُفكّر لا أن يُملى عليه، وأن يُعبّر لا أن يُختزل في دور المتلقي.

فإذا نجحت هذه المبادرة،ونتمنى لها كل النجاح، في أن تتحول من قرار إلى سياسة، ومن حدث إلى مسار مستدام، فإننا لن نكون بصدد مهرجان جديد فحسب، بل أمام بداية حقيقية لتحول ثقافي هادئ… لكنه عميق، طويل الأثر، وقادر على إعادة صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع من جذورها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق