وتقلبك في الساجدين هاشم بن عبد مناف.. موطّد المجد وباني السؤدد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 01/فبراير/2026 - 04:52 م 2/1/2026 4:52:39 PM

في كلّ سيرةٍ عظيمةٍ جذور، وفي كلّ نورٍ ساطعٍ منبعٌ أول.
وحين نتتبّع شجرة النسب التي أثمرت محمّدًا صلى الله عليه وآله، نجد في أعماقها رجالًا هيّأهم الله ليكونوا مقدّمةً لنبوّته، يحملون ملامح رسالته قبل أن تُبعث، ويجسّدون من القيم ما سيُتجلّى لاحقًا في شخص النبيّ الكريم.
وفي طليعة هؤلاء يقف هاشم بن عبد مناف، الجدّ الثاني لرسول الله ﷺ، الذي كان بحقّ موطّد المجد الهاشميّ، وباني السؤدد القرشيّ، وممهّد الطريق لنهضة مكة ومكانتها بين العرب.

نسبٌ رفيع وأصلٌ كريم:
ينحدر هاشم من بيتٍ عريقٍ في قريش: هو هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، وقد ورث عن آبائه مكانة القيادة والشرف، وعن جدّه قصيّ روح التنظيم والرئاسة، وعن بيئته المكيّة روح التديّن وخدمة البيت الحرام.
كان جميل الصورة، قويّ البيان، رصين العقل، حازم الرأي، وكانت مكة ترى فيه ملامح السيادة منذ شبابه، حتى قالوا عنه:
“هاشمٌ سيدُ مكة في الكرم والسياسة، كما كان قصيٌّ سيدها في الجمع والرياسة.”
رحلة الشتاء والصيف: 
فكرة رجلٍ سبق عصره
من أعظم إنجازات هاشم أنّه نظّم التجارة المكيّة وربطها بحركةٍ اقتصاديةٍ مستمرةٍ طوال العام.
فقد كانت القبائل تعتمد على تجارةٍ موسميةٍ محدودة، فأنشأ هاشم رحلتي الشتاء والصيف:
إلى اليمن شتاءً حيث الدفء والبضائع الجنوبية، وإلى الشام صيفًا حيث الأسواق والحضارات.
وأبرم العهود مع الملوك والقبائل لتأمين القوافل، فأصبحت مكة قلب الجزيرة التجاريّ، ومركز اللقاء بين الشمال والجنوب.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الفضل في قوله تعالى:
"لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ" (سورة قريش)
فكانت هذه النعمة الاقتصادية والسياسية من بركات تدبير هاشم وحكمته، ومنها ورثت قريش عزّها واستقرارها الذي هيّأها لاستقبال النبوّة.
هاشم كرمٌ يتوارثه الأنبياء
كان العرب إذا أرادوا أن يضربوا مثلًا في الكرم قالوا:
“أجود من هاشم.”
ففي عامٍ قاحلٍ ضرب مكة، جمع هاشم المؤونة، وذبح الإبل، وطحن القمح بيديه، وخلط الخبز بالمرق ليُطعم الفقراء والحجيج،
ومن ذلك الفعل لقّب بـ “هاشم”، أي الذي يهشم الخبز.
كان يطعم الجائع، ويأمن الخائف، ويكرم الضيف،
حتى قالوا: “إنّ السخاء كان في يمينه، والرحمة في قلبه.”
ومن هذا النبع الفائض بالكرم الإنساني، انبثق نهر الجود المحمديّ الذي بلغ ذروته في حفيده صلى الله عليه وآله حين قال الله فيه:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ 
القيادة والحكمة: من قصيّ إلى هاشم
ورث هاشم عن جدّه قصيٍّ حبّ النظام، وعن أبيه عبد مناف روح العزّة والسيادة،لكنه طوّر القيادة إلى مستوى حضاريٍّ جديد.
فلم يكن زعيمًا قبليًا يعتمد على القوة، بل على العقل والتدبير والوحدة.
جمع قريشًا بعد تفرّقها، ووحّد صفّها في وجه التحدّيات،
ونظّم سقاية الحجيج ورفادتهم، وأقام لهم دار الندوة مركزًا للمشورة واتخاذ القرار.
كان يرى أنّ المجد لا يُبنى بالسيف وحده، بل بالفكر والتكافل،
فأسّس لمكة مكانةً أخلاقية واقتصادية جعلت العرب جميعًا يُجلّونها.
هاشم في وجدان النبوّة
لم يكن عبثًا أن يختار الله نبيه صلى الله عليه وآله من نسل هاشم.
ففي شخص هاشم تجلّت الصفات التي ستتجلّى لاحقًا في حفيده الأعظم:
الكرم في وجه الحاجة،
الحكمة في مواضع الخلاف،
الرحمة في معاملة الناس،
والغيرة على البيت الحرام.
لقد أعدّ الله هذا الجدّ ليكون الجذر الأول لشجرة النبوّة،
شجرةٍ ضاربةٍ في الكرم والعزّ والطهارة،
تؤتي ثمرتها في خاتم الأنبياء

وفاته وخلوده
سافر هاشم في إحدى رحلاته إلى غزّة من أرض الشام،
فمرض هناك ووافته المنية، ودفن في موضعٍ صار يُزار حتى اليوم.
لكنّ ذكراه لم تُدفن، بل بقيت حيّةً في وجدان العرب، وفي كلّ صفحةٍ من تاريخ المجد الهاشمي.
قالوا فيه:
“لو عاش هاشم لأضاء وجه الدهر بالكرم كما أضاء حفيده وجهه بالنبوة.”
فقد أسّس المجد، ومهّد السؤدد، وغرس في مكة بذور النهضة التي ستثمر رسالة السماء.

أثره في ملامح البيت النبوي
إنّ النظر في سيرة هاشم يبيّن أن الله أراد للنبوّة أن تولد في بيتٍ مهيأ بالصفات الكاملة:
الكرم الذي يفتح القلوب،
الحكمة التي توازن بين الدين والدنيا،
والمجد الذي يصون الرسالة من الامتهان.
فكما هيّأ الله إبراهيم ليكون أبا الأنبياء،
هيّأ هاشم ليكون جدّ النبيّ الخاتم،
وموطّد المجد الذي سيحمله آل البيت عليهم السلام من بعده.
إن سيدي هاشم بن عبد مناف...
رجلٌ سبق عصره، فأسّس لمجدٍ سيستمرّ بقرون،
جمع بين الفروسية والكرم، وبين العقل والسياسة،
فكان بحقّ موطّد المجد وباني السؤدد.
ومن بعده، سيولد من نسله من يتمّم مكارم الأخلاق، ويقيم صرح الرسالة، ويملأ الدنيا رحمةً وعدلًا.
فما بين هاشم ومحمد صلى الله عليه وآله خيطٌ من نورٍ لا ينقطع، بدأ بالخبز المكسور في مرق الرحمة، وانتهى بخبز الهداية الذي أطعمه النبيّ صلى الله عليه وآله للعالمين.
إن سيدي هاشم لم يكن نبيًا، لكنه كان مقدّمة النبوّة، وكان فعله في الدنيا تمهيدًا لرحمة الله الكبرى.
فمن مجده وكرمه ووعيه الاجتماعيّ، انبثقت القيم التي ستتجلّى لاحقًا في دعوة النبي صلى الله عليه وآله. 
وما المجد النبويّ إلا اكتمالٌ لذلك البناء، وما الرسالة إلا الثمرة التي أنبتها ذلك الجذر المبارك

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق