الدوشة متدوشناش

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

 

في زحام الصباح، لم يكن الميكروباص وسيلة نقل؛ كان نسخةً مصغّرة من المجتمع، معبّأة في علبة صفيح متحركة. في الخلف، شاب بسماعات رخيصة يهزّ رأسه على مهرجان يدوّي في جمجمته كأنه واقعة شخصية، ليس للرقص ولا للفرح، بل كأنه يضبط به توازن حياته الداخلية قبل أن يختلط كل شيء. أحلامه مثل مصابيح الفلورسنت: ترمش قبل أن تنطفئ، لكنه يصرّ على إشعالها كل صباح، كأن الإصرار نفسه علاج.

وفي المنتصف، طالبة جامعة تحمل دفترًا مهترئًا وتستمع إلى الراب كأنها تقدّم شهادتها أمام لجنة غير مرئية. كل جملة تُحسب كدليل. كل بيت غنائي كأنّه استجواب. تقول لنفسها «بس اتخرج… وهتشوفوا!» كأنها تصنع وعدًا صغيرًا لنسخة مستقبلية من ذاتها. هي فقط لم يُمسك بها أحد، لذلك لا تريد الاعتراف بأنها سقطت. هي فقط سقطت في مكان لا يرى السقوط.

وفي الأمام، أمٌّ شابة تهدهد ابنها وتهدهد قلبها معًا. تسمع بوبًا ناعمًا يعدها بأن “كل شيء سيتحسن قريبًا”. لا تصدّقه، ولا تكذّبه. تتركه يعمل كمخدّر موضعي للروح، كزينة رقيقة على جرح قديم. الحياة تحتاج كذبة مؤقتة كي تنتهي بسلاسة، ووعودًا يمكن التخلص منها بعد الاستعمال مثل المناديل الورقية.

السائق يبدّل بين المحطات كأنه يبحث عن موجة إذاعية لا تتشوّش ولا تتهوّج فجأة، كأنه يفتّش عن صوتٍ يصدّق عليه قبل أن يصدّق العالم. منذ متى توقّف الفن عن شرح الحياة، وبدأ يشرح كيف نتحمّلها؟ منذ متى صار الفن سلمًا للنزول، لا للصعود؟ ولماذا أصبحنا نستعمل الموسيقى كمُسَكّن عاطفي يُؤخذ عند اللزوم وتُعاد جرعته كل أربع ساعات؟

لا أحد يسمع.
الجميع يستخدم.

الفكرة ليست في نوع الموسيقى. الفكرة في ما نطلبه منها. لم نعد نطلب من الفن المعنى، بل نطلب منه الإعفاء المؤقت من المعنى. لم نعد نطلب الدهشة، بل نطلب مهلة. لم نعد نطلب “الحقيقة”، بل نطلب هدنة إنسانية قبل مواجهة الحقيقة. الفن هنا ليس لمواجهة السؤال، بل لتأجيل تاريخ الاستحقاق.

وهنا تظهر فكرة نظام النقاهة. ليست النقاهة بمعنى الشفاء، بل بمعنى العودة البطيئة إلى القدرة على العيش. الفن صار مثل سرير مستشفى بلا أطباء: ليس للعلاج، بل للتقاط الأنفاس. الفن ليس عملية جراحية، لكنه محلول ملحي للروح، يمنع الجفاف الوجداني إلى أن نتعلم المشي من جديد. نحن لا نستهلك الفن كمتعة، بل كـ مرحلة نقاهة جماعية: مجتمع كامل يخرج من غرفة العمليات دون أن يعرف ما الذي كان الجرح ولا كيف أغلق.

المهرجان هنا ليس موسيقى طبقة. المهرجان بطاقة ائتمان هويّة. الفقير يستلفها ليخدّر واقعه قليلًا، ليشتري دقيقة صدق في عالم يعاقب الاعتراف بالحقيقة أكثر مما يعاقب الكذب. والغني يستلفها ليثبت أنه قادر على خلع طبقته ساعة يشاء. يدخل قاعة الشعبوية ويخرج منها دون أن تتسخ ملابسه. انتماء تجريبيّ. عضوية يومية. لا يترك ختمًا على جواز السفر. الفن هنا ليس وسيلة للعبور الاجتماعي، بل وسيلة للتمويه الوجداني: أن نتظاهر بالانتماء حتى نصدّق أننا نستحق المكان.

تقول الدراسات الموسيقية إن المهرجانات كسرت مركزية الذوق السائد، ونقلت السلطة من الإنتاج الرسمي إلى الجمهور. لكن ماذا لو لم يعد هناك “ذوق سائد” أصلًا؟ ماذا لو أصبح المجتمع بلا مركز، فتكسّر الفن تبعًا لذلك، وصار كل صوت مركزًا لنفسه؟ كيف نتكلم عن الخروج من السياق الرسمي في لحظة لم يعد فيها سياق مستقر أصلًا؟

إذا كانت المهرجانات تصرخ لتنجو، فإنّ الراب يشرح ليتنفس. ليس تقليدًا مستوردًا، ولا تمرّدًا مستعارًا. هو محاولة لكتابة سيرة ذاتية موسيقية لجيل يشعر بأن حياته صارت مادة خام في سردية أكبر منه. المتعلم بلا امتيازات، المتقن بلا فرص، الحالم بلا مسار. يقف أمام المايكروفون ويصرخ في وجه العالم: «أنا هنا». لكن العالم يرد بهدوء: «لسه مش شايفك». الراب لا يرفع أحدًا. يمنحك فقط مسافة صغيرة بينك وبين الهزيمة، لالتقاط النفس قبل إعادة الجولة. هذا أيضًا جزء من نظام النقاهة: أن تُعطى فرصة للحديث قبل أن تُعاد للمقاتلة.

أما البوب فهو الضمادة الملوّنة. ليس كذبًا، لكنه تجميل مع سبق الإصرار على عدم الشفاء. بوب يبيع استراحة. يصنع إجازة مؤقتة من الذات. يعلّق على الجدار “صورة حياة ممكنة”، لا لنعيشها، ولكن كي لا نموت حسرة على غيابها. البوب ليس وهمًا — الوهم أن نتوقع منه أكثر مما يستطيع. البوب ليس دواء، بل وقت إضافي قبل الشعور بالألم.

الفن هنا ليس مرآة. الفن هنا مقياس حرارة. ليس لقياس شفائنا، بل لقياس قدرتنا على احتمال المرض. وهذا هو تعريف النقاهة الحقيقي: أن تتحرك قبل أن تتأكد أنك تعافيت. التدريج. البقاء. التدرّب على العودة دون وعد بالوصول.

في هذا المجتمع، لا يتجاور الفن والواقع؛ بل يختلطان مثل لونين في كوب ماء. لا نعرف هل الموسيقى هي التي فشلت في حمل الواقع؟ أم أن الواقع أثقل من أن يُحمل؟ هل تغير الفن؟ أم أننا نحن الذين تغيّرنا؟ ربما السؤال أهم من الإجابة. ربما البقاء داخل السؤال جزء من النجاة.

ثلاثة أنواع من الموسيقى.
ثلاث لغات عاطفية.
ثلاثة أجهزة دعم حياة.

المهرجانات والراب والبوب ليست مساحة اختلاف. إنها طرق مشي مختلفة على نفس الطريق: من يحتاج الصراخ ليبقى يقظًا. من يحتاج السرد ليبقى مؤهّلًا. من يحتاج اللطف ليبقى حيًّا. ليست معركة ذوق، بل صراع أجهزة تنفّس وجدانية.

هذه ليست أزمة ذوق. ليست معركة بين القديم والجديد. إنها لحظة يكتشف فيها الفن وظيفة جديدة:
أن يكون نظام نقاهة للمجتمع.
أن يسمح لنا بالعودة البطيئة لأنفسنا.
أن يخفّف أعراض الوجود بما يكفي لنكمل الدور.

نسمع كي لا نفقد القدرة على التساؤل.
نسمع كي تبقى الروح قابلة للحركة.
نسمع كي تمرّ الحياة من جانبنا بدل أن تمرّ فينا.
نسمع كي لا ينفجر السؤال في صدورنا مثل قنبلة صغيرة.

وفي اللحظات التي يعلو فيها الصوت أكثر من اللازم، ونشعر أن الواقع يقترب أكثر مما ينبغي، نتذكر جملة محمود عبد العزيز في الكيف، وكأنها مكتوبة لهذا الزمن:

«لازم ندوش الدوشة بدوشة…
أدوّش من دوشتها…
عشان ما تدوشناش.»

قد لا يكون ذلك حلًا.
قد لا يكون انتصارًا.
لكنه أقرب محاولة لما يمكن أن نسميه:
البقاء بنبرة محتملة.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق