يوم فى حياة مكتئب

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

الاضطراب النفسى صعبٌ فى معاناته وعلاجه، ودراسته وفهمه ووصفه؛ فلا كلمة أو جملة أو فقرة توفيه حقَّه، لأنه مُركَّب ومُعقَّد ومُتَشعِّب، وينال من حياتك وكيانك، ومن عالمك الداخلى والخارجى.

إنه يغير طريقة تفكيرك وإحساسك وأفعالك، إنه ليس مجرد مرَض يغير من عضو ما فى جسدك، إنه اضطرابٌ عام يُربِك المحطّات الرئيسية للعقل والجسم، ويؤثر سلبًا على كل لحظةٍ من حياتك اليومية.

يقول المُكتئب فى مذكراته: «أصحو من النوم منهكًا، مثل المضروب علقة، أريد الاستمرار فى النوم المتقلِّب ساعةً أو ساعتين، أنهض من الفراش متثاقلًا، أجرُّ جسدى الذى يرتَجّ.. إلى الحمام، أنظر إلى المرآة وأرى ما أخشاه، أبشع رجل فى العالم، سمين وبليد بوجهٍ عابس ملىء بالبثور، وعينين غائرتين تحيطهما هالتان سوداوان، جسدٌ مترهل تعلوه رقبة قصيرة ومكتنزة، ونظرة فارغة زائغة.

صورة مفزعة لكل من يراها، على فكرة.. كان ذلك هو الاكتئاب الذى يتحدث إليكم، يحاول أن يجعلنى أرى نفسى كذلك، إنه الاكتئاب الذى يجعلنى أعتقد اعتقادًا راسخًا بأننى الأسوأ والأقبح فى الكون. عمومًا سوف أحاول مصارعة تلك الأفكار المُكتظة، وكأنها وابور الطحين».

يُغيِّر الاكتئاب من طريقة تفكيرنا، ومن صورتنا أمام أنفسنا، ومن إحساسنا بالثقة وبالأمان، ومن نظرتنا للحياة، إنها أفكارٌ سلبية وزائفة وغير منطقية، تنتج عن مرضٍ ثقيل.

عاد المُكتئب ليقول: «أنا الآن أقود سيارتى ذاهبًا إلى عملى الذى لا أحبه، وزملائى لا يحبوننى.. هكذا أشعر، أكلت قليلًا من طعام الإفطار، وكنت أبلع الطعام بلعًا بدون استساغة أو استمتاع، تمر إلى جوارى سيارة إسعاف، وأُحسُّ بغصّةٍ فى حلقى».

إن الاكتئاب يجعلك تركز على كل ما هو سلبى ويضخم ويهوِّل من الأمور، ويجعل من الحبَّة قُبَّة، ويجعل الانفعالات الحزينة العادية وكأنها جنازة، ويشلّ قدرتك على التصحيح؛ لذا يجب الانتباه مبكرًا.

«أنا فى العمل الآن، جالسٌ على مكتبى أُحدِّق فى شاشة الكمبيوتر، متفحصًا الإيميلات التى تبدو لى بلا معنى، أنا بطىءٌ بالنسبة لزملائى، سأستأذن وأنزل لأتمشى على شاطئ البحر».

لمح كشكًا يبيع بعض الكتب والجرائد، التقط رواية قصيرة تحت عنوان «النورس والقط الذى علمه الطيران»، للكاتب التشيلى «لويس سبولبيدا» الذى تحوَّل من كاتبٍ مغمور إلى أكثر الكتاب حضورًا.

اشترى الكتاب وجلس قُبالة البحر، يتأمل طيور النورس، ثم بدأ يقرأ القصة التى تدور حول القط الأسود السمين (ثورباس)، الذى أنقذ حياة النورس المولود لأمه (كنجا) التى لفظتها الأمواج، إثر اختناقها بتلوث النفط المتسرِّب. القط يحتضن البيضة، ويعتنى بالفرخ، ويجتهد مع أقرانه لتعليمه الطيران، بناءً على وعدٍ قطعه القط للنورس الأم وهى تحتضر.

دمعت عنياه، وتذوقت شفتاه طعم الملح الذى انتثر على وجهه من رذاذ البحر، وغاص إلى طفولته الأولى، عندما كان يلهو ويلعب على شاطئ البحر مع أولاد الصيادين والقطط والنوارس. قام وتمشّى على الشاطئ يملأ صدره بالأمان والراحة والثقة والهدوء والشجاعة والنُبل والإنسانية، ضد غول الاكتئاب وقساوته، وضد كوفيد- 19 الذى يتحدى البشرية.. تعلَّم فن التضامن والتوافق والوفاء، تأمَّل عمق البحر ورحابة السماء، كانت لديه رغبة عارمة فى التحليق، فى أن يترك جسده الثقيل ومظهره الرَّث.. ويطير.

كان الوعد، الذى قطعه مع نفسه، موازيًا للوعد الذى قطعه القط (ثورباس) لــ(كنجا)، بأن يُنَحِّى اكتئابه جانبًا، وأن يبدأ فى تغيير نمط حياته، أن يداوم على القراءة، وأن يأتى كثيرًا إلى البحر، وأن يمشى معتدل القامة، يملأ صدره بالهواء والراحة والتفاؤل، وأن ينتصر للجمال ضد القبح، وأن يصارع أى اضطرابٍ نفسى بقوة، لأنه ملتزمٌ بالتفاؤل.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق