«ابن رشد» ومسألة التجديد!

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تحت عنوان «دعوة لحوار حول التجديد»، قدم الأستاذ عبداللطيف المناوى يوم ٩ مايو ٢٠٢١ فى مقاله المتميز بـ«المصرى اليوم» الدعوة للحوار حول التجديد،

وفى حقيقة الأمر أن تجديد الفكر الدينى فى منطقتنا العربية أصبح أمرًا مطلوبًا ومرغوبًا، باستثناء فئة منغلقة متعصبة لا هَمّ لها سوى التسبيح بحمد الماضى والتغنى بأفكاره وعاداته وتقاليده، وهذه الفئة ستظل موجودة.

تجديد الفكر الدينى هو إحدى القضايا التى تشغل بال الرئيس السيسى، وهو تقريبا فى كل مناسبة يشير إليها، فتارة يتحدث عن «تصويب للفكر الدينى»، وتارة أخرى يتحدث عن احتياجنا لـ«ثورة دينية».

وفى تقديرى أننا لن نخترع العجلة من جديد، لأن لنا فى التاريخ دروسًا وعبرًا.. والتاريخ يحدثنا عن شخصية مجددة مبدعة أحدثت دويا فكريا فى أوروبا، وكانت لها بصمة واضحة فى التنوير الأوروبى، وهذه الشخصية هى «ابن رشد».

إن ابن رشد يُعد علامة فارقة فى الفلسفة العربية الإسلامية التى انحازت إلى العقل وغلّبته على النقل، فهو يرى أنه لا يوجد تعارض بين الدين والفلسفة، وفى أوروبا العصور الوسطى أثّرت مدرسة ابن رشد فى الفلسفة والمعروفة باسم «الرشدية اللاتينية» تأثيرًا قويًا على الفلاسفة المسيحيين من أمثال توما الأكوينى، والفلاسفة اليهود من أمثال موسى بن ميمون، وكانت كتابات ابن رشد تُدرّس فى جامعة باريس وجامعات العصور الوسطى الأخرى، ومن أقوال ابن رشد: «الله لا يمكن أن يعطينا عقولًا ويعطينا شرائع مخالفة لها»، «اللحية لا تصنع الفيلسوف».

وبالحلف الذى انعقد بين أمراء الأندلس وفقهائه سقط منهج ابن رشد، واتهم صاحبه بالكفر والزندقة، وأُحرقت كتبه فى قرطبة، ونُفى إلى قرية من القرى التى كان يسكنها يهود الأندلس تعبيرًا عن أنه لم يعد مسلمًا ولم يعد يستحق أن يعيش مع المسلمين!!.

وبسقوط منهج ابن رشد سقط العقل العربى، واستسلم للنقل والتقليد والطغيان، ولم تمضِ على هذه المحنة التى دخلها ابن رشد إلا ثلاثة قرون، انتهت بسقوط الأندلس كله من أقصاه إلى أقصاه، ورحيل العرب والمسلمين والإسلام عنه، فى الوقت الذى كان فيه المثقفون الأوروبيون فى إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا يكتشفون ابن رشد ويترجمون مؤلفاته إلى العبرية واللاتينية ويتأثرون بها، ويتحررون من سلطة الكنيسة ويحتكمون للعقل فى فهمهم للإنجيل، ويستعيدون علاقتهم بالفلسفة والمنطق، ويخرجون بالتالى من عصور الظلام إلى عصر النهضة الذى انتقلوا منه إلى عصر الاستنارة، الذى انتهى بهم إلى هذا العصر الحديث، عصر الديمقراطية والعلم وحقوق الإنسان.

لا سبيل لنا للقضاء على الأصولية الدينية سوى بإحياء تراث ابن رشد، ذلك التراث الذى دفناه فى شرقنا فتخلفنا، بينما أحياه الغرب فتقدم. إن تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية حول العالم يقتل ويذبح ويحرق، لأنه محكوم بأفكار الأصوليين الدينيين وبفقه ابن تيمية الذى عاش فى القرن الثالث عشر، والذى كفّر ابن رشد بسبب قوله بإعمال العقل فى النص الدينى.. وهؤلاء القتلة والإرهابيون قد تجمدوا عند القرن الثالث عشر عندما اكتفوا بابن تيمية المكفر لابن رشد، فَفِكر ابن تيمية القائل: «بأن تأويل النص الدينى بحسب فهم ابن رشد هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار» هو الأساس الذى قامت عليه الحركة الوهابية فى القرن الثامن عشر، وجماعة الإخوان المسلمين فى القرن العشرين، ومن هنا فلا حل ولا ملاذ إلا فى إحياء التراث العقلانى الذى دعا إليه ابن رشد، حيث إنه هو الحل فى مواجهة الأصولية الدينية التى رسخ لها ابن تيمية.

هل لعالمنا العربى أن يستفيق ويستعيد منهج ابن رشد هذا إذا أردنا تجديدًا حقيقيًا؟!.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق