رمضان فى «أزمنة الوباء»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لم تكن جائحة كورونا التى نواجهها حاليا فى شهر رمضان، هى الوباء الأول من نوعه الذى يواجه المسلمين فى شهر الصيام، ويفرض عليهم قيودا وشروطا تعوقهم عن أداء طقوسهم الاجتماعية والعبادية، فقد سبق للأمة الإسلامية عموما- ولمصر خصوصا- أن واجهت أكثر من وباء فى عهود مختلفة أثناء الشهر الكريم. وسبق لمصر تحديدا أن واجهت أوبئة مماثلة أو أشد فتكا، وتعاظم عدد ضحاياها وحصدت العديد من الأرواح، أما جائحة كورونا هذا العام، والتى نواجه موجتها الثالثة، ونحن فى شهر رمضان الكريم، فقد حرمت المصريين من الكثير من طقوسهم وعاداتهم الرمضانية.

رمضان فى أزمنة الوباء

وقد شكلَّت الطواعين والأوبئة تهديدًا كبيرًا للحضارات الإسلامية فى العصور المختلفة، ومنذ العصر البيزنطى ضرب وباء الطاعون الشرق الأوسط وصولًا إلى شمال إفريقيا، ومن ثم أوروبا. ومما لا يعرفه البعض أن النبى صلى الله عليه وسلم له أحاديث فى شأن الطاعون وردت فى أكثر من مصدر منها البخارى ومسلم، ومنها ما رواه أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، ومنها ما جاء فى البخارى أيضًا عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت: «سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فأخْبَرَنِى أنَّه عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ علَى مَن يَشَاءُ، وأنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ليسَ مِن أحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فى بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أنَّه لا يُصِيبُهُ إلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ له، إلَّا كانَ له مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ».

وقد تزامن الكثير من الأوبئة مع شهر الصيام فى دول عربية وإسلامية.. ففى منتصف القرن الـ14 الميلادى وقع «الطاعون الأسود» وقتل عشرات الآلاف من البشر. وفى 1567 ميلادية تفشى فى شهر الصيام وباء «الطاعون» وقتل 3 آلاف شخص يوميًا.. أما رمضان عام 1579 ميلادية فكان «الطاعون» قاسيًا على قاطنى مناطق مختلفة من البلدان الإسلامية.. وفى رمضان لعام 1592 للميلاد ضرب الطاعون إسطنبول واستمر لأشهر.. وفى رمضان 1780 ميلادية اشتد «الطاعون» فى مكة والمدينة وقتل نحو 12 ألف شخص. وعاد «الطاعون» إلى إسطنبول فى رمضان عامى 1811 و1812 للميلاد، وفى أواخر القرن الـ19 هددت «الكوليرا» طرق الحج، واستلزمت حجرًا صحيًا لمدة 15 يوميًا فى قناة السويس قبل التوجه إلى الديار المقدسة.

ومن الأوبئة الأخرى غير الطاعون والتى تعرض لها المسلمون عبر التاريخ وباء الكوليرا، والجدرى، والجذام، والملاريا وغيرها. ولكن كان الطاعون هو الأشد وطأة بينها، لأنه انتشر على نوبات متكررة عبر عدة قرون، وأودى بحياة الآلاف من مصر إلى الشام والعراق والحجاز.

رمضان فى أزمنة الوباء

ووفق الترتيب الزمنى لوقوع هذه الأوبئة التى تعرضت لها الأمة الإسلامية خلال أشهر رمضان عبر التاريخ، فهناك وباء الطاعون الأسود، فى منتصف القرن الرابع عشر، والذى كان من أكثر الأوبئة فتكًا بالبشرية. وكان قاسيًا جدًا فى رمضان الذى حلّ بين شهرى نوفمبر- وديسمبر عام 1348 م وطال بشكل خاص سوريا ومصر، وتوفى مئات الآلاف. فى ذلك العام، مرّالرحالة الشهير ابن بطوطة فى الشام، ودوّن رؤيته لشعائر الصوم والمواكب الدينية التى كانت تهدف لدرء الطاعون.

ثم طاعون 1420 الذى طال عدّة بلدان إسلامية، واستمرّ بشكل متقطّع لأكثرمن عشر سنوات، فاتكًا بالآلاف. وفى عام 1422 اشتدّ الوباء كثيرًا فى مكة، ما جعل الصلاة فى الجوامع مستحيلة. وشهد ذلك العام فرض قيود على شعائر النساء الدينية خلال رمضان (صادف حلوله خلال شهر سبتمبر)، ومنعن فى القاهرة من زيارة المقابر.

وفى العشريات الأخيرة من القرن السادس عشر، تأثرت الشعائر الدينية فى الإمبراطورية العثمانية بالأوبئة بشكل ملحوظ. وفى شهر رمضان الموافق عام م1567، فى عهد السلطان سليم الثانى تفشى الطاعون وقد بلغ العدد اليومى لضحاياه 3 آلاف شخص ما أثار قلق السلطان، وطلب رفع الصلوات فى مسجد آيا صوفيا، فى ليلة القدر.

وفى شهر رمضان عام 1579، حلّ وباء الطاعون فى مناطق مختلفة من البلدان الإسلامية، ما أدى إلى تأجيل مواكب الحج الخارجة من مصر، وحركة التجار فى البصرة. وكان قاسيًا لدرجة جعلت جباية الضرائب مستحيلة، لأن عدد الوفيات كان ضخمًا جدًا.

وفى سنة ألف للهجرة، صادف رمضان فى الصيف، وكان عام 1592 للميلاد. ضرب الطاعون إسطنبول مرة جديدة، واستمرّ لأشهر، فأمر السلطان حينها بالصلوات الجماعية وبتنظيم المواكب وذبح الأضحية وتوزيعها على المحتاجين، وأفرج عن السجناء.

وفى رمضان عام 1780، اشتدّ الطاعون فى مكّة والمدينة، ويعتقد أنّه قتل نحو 12 ألف شخص.

وبين عامى 1811 و1812 شهدت إسطنبول انتشارًا لوباء الطاعون، وتواصل خلال شهر رمضان، وبقى أهالى المدينة فى بيوتهم، وامتنعوا عن الخروج إلا للضرورة.

وفى أواخر القرن التاسع عشر، هدّدت الكوليرا طرق الحج الإسلامى، خاصة بعد افتتاح قناة السويس، وسهولة انتشار الأمراض عبر البواخر والسكك الحديدية. وأجبر الحجاج على البقاء فى الحجر الصحى 15 يومًا فى السويس أو البحر الأحمر، قبل التوجه إلى الحجاز. لكن شروط الحجر الصحية كانت سيئة جدًا، وكانت الأماكن المخصصة للعزل مكتظة بالآلاف.

وكان الأطباء ينصحون الناس عبر العصور برشّ الخلّ فى البيوت، إلى جانب تطهير الهواء بالدخان. كما نصحوا الناس بالتقليل من الأنشطة الجسدية، والذهنية، والعاطفية، مثل الحركة المكثفة، والإفراط بالأكل، وممارسة الجنس.

كما أنّهم لم يشجعوا على الاستحمام خلال الوباء، وطلبوا من الناس ألا ينغمسوا فى القلق، والخوف، ويستبدلوا بهما أفكارا إيجابية، لأنّها تساعد الجسم على مقاومة المرض.

وفى أساليب المواجهة للأوبئة شاع العلاج بإخراج الدم الفاسد من الجسم، واستعمال المسهلات، ولف الغدد الملتهبة بقطع القماش، أو وضع مراهم عليها لتخفيف الألم والتورّم. وتناول الفاكهة الحامضة، والعصائر، مثل الرمان الحامض، وعصير الليمون. وكانت الأدوية تحتوى على أعشاب، ومعادن، ومواد حيوانية، وعدد من الترياقات.

إلى جانب ذلك كان الناس ينظمون الصلوات الجماعية، إلى جانب الصوم، والمواكب، وتلاوة القرآن، وتقديم الأضحية، والصدقة، وإطعام الفقراء، والعفو عن السجناء.

وقد فسَّر ابن خلدون ظهور الأوبئة الناجمة عن كثرة السكان وانتشار العمران، وما يصاحبه من كثرة العفن والرطوبة الفاسدة، فإذا اشتد فساد الهواء وقع المرض فى الرئة، فى حين أنَّ ابن سينا ألمح إلى أنَّ فساد الهواء هو السبب المباشر للوباء.

ولم يكن التفسير الغيبى لهذه الظاهرة غائبا عن التبريرات والتفسيرات، فقد قيل إنه «من وخز الجن»، وقد رد الأطباء على هذا التفسير وقالوا لو كان مبدأ الطاعون وخز الجن، فلم يقع أحيانًا فى شهر رمضان، حيث الجن والشياطين مصفدة فى أغلالها، لا تستطيع نفعًا لغيرها ولا ضرًا، ومما يذكر أن مرد الاعتقاد بأن الطاعون وخز الجن باعتباره عقابا إلهيا جماعيا يصيب الناس جراء انشغالهم بالدنيا وانهماكهم فى اللذات والمعاصى وإهمالهم الفروض والطاعات، وبسبب المنكرات التى يقترفونها- مرد ذلك ما قاله ابن إياس أثناء طاعون فى عام 841 هجرية 1437م، حين اجتمع القضاة ومشايخ العلم وشكا لهم السلطان من أمر تزايد الطاعون بالقاهرة، فقالوا له: إنما يظهر الطاعون فى قوم إذا فشا فيهم الزنا.

وتاريخيا مر على المسلمين جائحتان فى شهر رمضان، أولاهما طاعون «مسلم بن قتيبة» فى العصر الأموى بمدينة البصرة فى العراق عام 131هـ، والذى سمى باسم أول من مات به، وقد وقع هذا الطاعون فى البصرة واستمر لثلاثة أشهر، واشتد فى رمضان حيث كان يحصى فى بعض الأيام ألف جنازة أو يزيد.

وثانى طاعون هو ما سمى «الوباء العظيم»، الذى وقع ببلاد الشام عام سنة 749 هـ، وانتقل إلى مصر.

وبحسب ما ذكره ابن كثير فى «البداية والنهاية»، فإن الشاعر صلاح الدين الصفدى صاحب كتاب «التذكرة» مات فى فترة وباء الطاعون سنة 749هـ/ 1391م، الذى اجتاح الشام وفلسطين ومصر، ووصل أوروبا، وسمى «الوباء العظيم»، موضحا: «وفى شهر رمضان تفاقم الحال بسبب الطاعون فإنا لله وإنا إليه راجعون، وجمهوره فى اليهود لعله قد فقد منهم من مستهل شعبان إلى مستهل رمضان نحو الألف نسمة خبيثة، كما أخبرنى بذلك القاضى صلاح الدين الصفدى وكيل بيت المال، ثم كثر ذلك فيهم فى شهر رمضان جدا، وعدة العدة من المسلمين والذمة بالثمانين».

جاء فى كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزى، أن الطاعون ضرب مصر سنتى (749هـ، و787هـ)، وذكر «أن الناس هُرعت للجوامع للصلاة والقنوت والتضرع إلى الله برفع البلاء، مع قراءة صحيح البخارى بالجامع الأزهر أياما، والدعاء بعدها لرفع الطاعون».

وذكرت الباحثة فى التاريخ الإسلامى، سمية فتحى، فى تصريحات صحفية، أنه «فى طاعون سنة (833هـ)، جمع السلطان 40 شريفا من الأشراف، وأجلسهم بالجامع الأزهر، قرأوا القرآن، ودعوا الله تعالى، ودعا الناس معهم وقد امتلأ الجامع بهم»، مضيفة: «وكان الناس يخرجون للصحراء يصلون بها وراء أئمتهم، ويستصرخون الله لرفع البلاء».

المؤرخ «الجبرتى» الذى نقل قصة الطاعون فى رسالة بعث بها الشيخ حسن العطار يقول إن الله أنجاه من هذا الوباء الذى اجتاح بلاد الصعيد مؤكدًا «نعرفك يا سيدى أنه قد وقع فى قطر الصعيد طاعون لم يعهد ولم يسمع به من قبل خصوصا فى أسيوط، فقد انتشر هذا الوباء وكان معظمهم من الرجال والشباب وأغلقت فيه الأسواق وصار الناس ما بين ميت ومشيع».

وذكر «الجبرتى» أن شهر إبريل الذى اشتهر بأنه أحد أشهر الحصاد، تعطلت فيه الزراعة، ونشفت الأرض وأبادت الريح الزروع، لعدم وجود من يحصدها، وقد أدى الطاعون الذى امتد لمدة أربعة أشهر هجرية منها شهر رمضان، إلى موت الثلثين من أهالى الصعيد فى أشد وباء شهده الصعيد، قبل تولى محمد على حكم مصر، مات العلماء والقراء وأرباب الحرف، وتعطل الميت فى منزله من أجل تجهيزه، فلا يوجد نعش ولا المغسل، كما يؤكد العطار فى رسالته، ولا تسمع يوميا إلا نائحة أو باكية، وقد تعطلت المساجد والإمامة لموت أرباب الوظائف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق