القراءة المنغلقة

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كان الفيلسوف الفرنسى المعروف بول ريكور يقول: «إننا حينما نقرأ نصًا ما فإنه يُجرى معنا حوارًا خفيًا ينبغى أن تكون آذاننا له مُصغية، وأن نترك له القياد ليفصح لنا عن معانيه، ولا يعنى ذلك مطلقًا أن نميز قراءة عن أخرى، أو تفسيرًا عن آخر، وإنما ينبغى علينا أن ننفتح بعقولنا لكل ما يحتمله من معانٍ». وقد ألَّف ريكور كتابًا شهيرًا فى إشكالية التأويل سماه «صراع التأويلات» تأثر به عدد كبير من المفكرين المتخصصين فى علم التأويل. وفى مقابلة له قال إنه تجول فى شتى أنحاء العالم من الصين إلى اليابان إلى مناطق أخرى، ووجد أن الحضارة الأوروبية هى وحدها التى تسمح بحرية الفكر والنقد بالمعنى الواسع، أما خارجها فثمة قيود دينية أو أيديولوجية أو سياسية على حرية الفكر والضمير. وقد حملت أفكار ريكور عددًا كبيرًا من المفكرين المختصين بظاهرة الإرهاب الأصولى إلى التفكير فى سؤال لم يفتأ يشغل بالهم ردحًا طويلًا من الزمن، وهو: لماذا يركز الأصوليون دائمًا على النصوص التى تدعو إلى العنف والتكفير ولا ينشغلون بالنصوص الداعية إلى المحبة والتسامح واحترام الآخر؟ وقد اهتم بهذه القضية فى القرن السابع عشر الفيلسوف الكبير باروخ اسبينوزا وهاجم المؤسسات الدينية الأصولية فى عصره، إذ كان يرى أن أغلب الأصوليين يسوقهم دائمًا هاجس الخوف الذى يشل عقولهم عن التفكير ويحول مشاعرهم الدينية إلى ضرب من التطير والتشاؤم، فتنعدم فى نفوسهم المحبة والعدالة والتسامح.

كما انشغل بها أيضًا فى عالمنا المفكر الجزائرى الأصل محمد أركون، وذهب إلى أن ظاهرة العنف مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفكرة التقديس التى ترتبط بدورها بفكرة المطلق. فعندما يقدس الإنسان فكرة ما يفرضها على الآخرين كحقيقة مطلقة تعلو على أى نقاش، ولا يتردد فى تكفير كل من لا يؤمن بها، ومن ثم رد أركون العنف إلى مثلث أضلاعه هى: التقديس والحقيقة المطلقة والعنف. وفى كتابه الشهير «قضايا فى نقد العقل الدينى» ذهب إلى أن الحقيقة ليست شيئًا مُعطى بشكل جاهز ونهائى وإنما هى بمثابة نتاج لتركيب لفظى ومعنوى قد ينهار لاحقًا لكى يحل محله تركيب جديد أو حقيقة جديدة، ومن ثم فإن الحقيقة عند أركون هى دائمًا نسبية. وكان أيضا يرى أن السياج الدوجمائى المغلق الذى كبل العقل الأصولى وبث فيه روح التزمت والتمسك بالقراءة المنغلقة الداعية إلى العنف وتكفير الآخر المختلف يرجع فى الأصل إلى فكر ابن تيمية فى القرن الثالث عشر، فهو الذى اعتقل العقل الإسلامى داخل هذا السياج المغلق، ومنذ أن ظهرت حركة الإخوان المسلمين سعت جاهدة إلى التحكم فيه عبر التحكم فى ذهنية رجل الشارع. بحيث لم يعد ثمة مهرب من هذا السياج إلا بعلمنة رجل الشارع.

وتناول هذه القضية أيضًا بالتفصيل المفكر التونسى عبدالوهاب المؤدب فى كتابه الشهير «رهان على الحضارة.. صراع التفاسير» الذى هاجم فيه بضراوة الأصوليين المتزمتين. وفيه يرى أن العالم الغربى منشغل بمشكلة صدام الحضارات، أما العرب فإن مشكلتهم الأساسية تكمن فى صدام التفاسير، أى تفسير النص المقدس، وتمكن الأصوليون من فرض تفسيرهم المتزمت فرضًا فى المعاهد التقليدية وفى ثنايا البرامج المدرسية، بحيث لم يعد من السهل اقتلاع فكرهم إلا بالدخول فى حرب طاحنة معهم. والتاريخ يكتظ بأمثلة عديدة لأقلام وقعت ضحايا للتفاسير العنيفة التكفيرية. ففى ديسمبر عام 1913 تقدم منصور فهمى باشا إلى جامعة السوربون برسالة للدكتوراه عنوانها «حال المرأة فى الإسلام»، وقبل مناقشتها علمت الجامعة المصرية التى بعثته إلى فرنسا بأن رسالته معادية للإسلام بل ويشرف عليها أستاذ يهودى اسمه ليفى بريل، فطلبت منه تأجيل مناقشتها، ولما امتنع فصلته الجامعة بدعوى أنه ملحد وزنديق كافر لأنه انتقد رأى الغزالى فى المرأة، والذى يحث الرجل على عدم الاكتراث بها بأى حال من الأحوال.

وبات الخلاص من العنف الأصولى مرهونًا بتحرر العقل من سياج الدوجمائية.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    185,922

  • تعافي

    143,575

  • وفيات

    10,954

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق