.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
شعراء "قصيدة النثر" كثيرون منذ الستينيات حتى الآن، وللكبار منهم حضور فعال ومؤثر في تاريخ هذا اللون من الكتابة الذي أراه كتابة صعبة مثل كتابة القصة القصيرة. فكتابة القصيدة التقليدية ترسخت تقاليدها عبر تاريخها الطويل، وعبر نماذجها المتوارثة، وعبر أعلامها من كبار الشعراء، واستطاع الشعراء الجدد، أمثال صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، أن يؤسسوا تقاليد جديدة لشعرهم الذي كان لونا غريبا عما هو سائد وموروث ونالوا من قذائف الرفض والتشكيك ما نالوا.
أما قصيدة النثر فكانت كائنا بريا لا تألفه المدينة ولا تقره البادية. فالشعر فن بدوي. وعندما غزا المدينة ظلت البداوة معيارا لجودته، وعلامة على طبيعته وتدفق شاعريته. ولما استقرت قصيدة التفعيلة كان استفرارها موصولا بنسب عريق إلى العروض، وإلى عراقة اللغة البدوية ونصاعتها، وإلى المعين الثقافي الذي شكل قدرة المتلقي على استقبال هذا الشعر وتذوقه.
فلم يكن خروج هؤلاء الشعراء خروجا مفاجئا بل كان مسبوقا بما فعله شعراء الاتجاه الوجداني أمثال إبراهيم ناجي وعلي محمود طه من تغيير شكل القصيدة التي صارت في بعض الحالات أشبه بالموشحة، وإن لم تكن فهي على هيئة سوناتا شيكسبير. مثل هذا التغير في الشكل جعل المتلقي يقبله ولايرفضه أو ينفر منه لأنه ما زال يدور في الفلك العمودي التناظري للقصيدة التقليدية. أما قصيدة النثر،فهي وافدة من واد بعيد ذي ثقافة وتقاليد شعرية مختلفة.
وفدت من الشعر الأوروبي، ومثلت مرحلة من مراحل تطوره اللغوي والإيقاعي، وبشر بها فريق من الشعراء في سوريا ولبنان كان لهم موقف مناهض للفكر العربي الذي وصفوه بالجمود، وللقصيدة العربية التي شهدت أزهي تجلياتها في عالمنا الحديث على بساط شوقي وحافظ وإسماعيل صبري وغيرهم من كبار شعراء البعث والإحياء، بل انتقد هؤلاء أحمد شوقي انتقادا جائرا ليقيموا دعائم دعوتهم على أرض ممهدة كل التمهيد.
فقصيدة النثر لم تكن وليدة التطور التاريخي للشعر العربي، ولم تكن تنويعا على ألحانه، ولم ينجح روادها حتى الآن في إرساء قواعدها الشكلية، وأسفر هذا الأمر عن فن شعري نافر من التقاليد يكتبه الشاعر بناء على رؤيته، وقدرته على الابتعاد عن النثرية والثرثرة واللغة المغسولة من مس الشعر ووهجه.
ولم ينجح نقادها في بلورة مفاهيمها التي تصفها. فمع أنها خروج على شكل القصيدة المعهود، فمازالوا يطلقون عليها اسم "قصيدة" ثم يضيفون إلى هذا الاسم"النثر" فاجتمع المتقابلان: القصيدة والنثر في اسم واحد هو"قصيدة النثر". وإذا ما أراد الشاعر نشر ماكتبه منها بين دفتي كتاب، أطلق عليه هو والناقد اسم"الديوان" جريا على تقاليد الشعر العربي عبر تاريخه، وما هو بديوان ولكنه مجموع من الشعر يضمه كتاب.
أريد أن أقول- بعد هذا التأسيس النظري للنوع الشعري-إن القصيدة العربية مرت بهذه التطورات من الشكل العمودي المنضبط بانضباط البحر بشطريه وبوحدة القافية، إلى الشكل المتحرر من قيود البحر وقيود الروي والقافية إلى الشكل الذي تمرد على كل هذه القيود الجمالية، وجعل قيده الوحيد التحرر من كل سابق على الكتابة. والديوان الذي بين أيدينا للشاعر السيد النماس يمثل شعر التفعيلة الذي بلغ قمة تحققه عند شاعرين كبيرين هما صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. وقصائد الديوان الاثنتا عشرة وقعت في الفترة الزمنية التي تبدأ بعام 1969 وتنتهي بعام 1992م.
وهذه الأعوام المثبتة في الديوان لاندري أهي تواريخ الكتابة أم تواريخ النشر؟ أضف إلى ذلك أن ثلاث قصائد وردت في الديوان بدون تاريخ هي( الكلام من فوهة البركان. رباعية التفتح والانقسام. صورة زكي عمر ميتا.) ومن المحتمل أن يكون تاريخ نشر قصيدة "رباعية التفتح والانقسام" هو عام 1972م لأنها متصلة دلاليا بالقصيدة التي قبلها "أربع قراءات لصلاة حب واحدة" المثبت أمامها العام 1972م. أما قصيدة "صورة زكي عمر ميتا" فمما أعتقده أنها كتبت في العام الذي توفي فيه الشاعر غرقا وهو العام 1987م. وتبقى قصيدة "الكلام من فوهة البركان" ويبدو لي أنها كتبت في فترة الانكسار النفسي التي أعقبت 1967م، وأرجح أن يكون عام 1969م هو العام الذي ظهرت فيه إلى النور.
وما يرجح هذا الاعتقاد عندي أن التجاور المكاني لنصوص هذه القصائد تجاور مقصود. فقد سبقتها قصيدة" شظايا من قصيدة قديمة".فهي أولى القصائد في الديوان وهي الوحيدة المثيت أمامها العام 1969م، ولم يكن الشاعر بقادر على أن يهضم تداعيات هذا الانكسار وقت وقوعه وقد بلغ من العمر العام الواحد والعشرين.
وأحتمل أن تكون قصيدتا(شظايا من قصيدة قديمة. الكلام من فوهة البركان) قد كتبهما الشاعر في عام واحد وهو العام 1969م وقد بلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما. ولاندري العلة وراء أن تكون قصيدة"قراءة في نقوش الطريق" في الترتيب الرابع بين قصائد الديوان وهي الوحيدة المثبت أمامها العام 1967م. وكان من الأولى وفقا للتواريخ المثبتة أن تكون في صدر هذا الديوان لتكون هي و"شظايا من قصيدة قديمة" و"الكلام من فوهة البركان" وحدة واحدة تمثل صدى هذا الانكسار في ذات الشاعر الذي كان في مقتبل الشباب بعد تخرجه في الجامعة.
ولونظرنا إلى قصائد هذا الديوان من منظور الرؤية التي جاءت هذه القصائد تشكيلا لها، فنجد عدة محاور دلالية. المحور الأول أصداء النكسة والشاعر في مقتبل الشياب وتضم هذه القصائد:
1-قراءة قي نقوش الطريق 1976م
2-شظايا من قصيدة قديمة 1969م
3-الكلام من فوهة البركان (ست مقاطع)د.ت
4-أربع قراءات لصلاة حب واحدة 1972م (قراءة خامسة)
5-رباعية التفتح والانقسام (ثنائية فقط)د.ت
أما المحور الثاني فيتصل بالأسئلة الوجودية ويضم هذه القصائد
1-النفخ في صور الخروج 1987م
2-الصوت والرماد 1988م
3-الموت والأسئلة 1989م
4-للوقت المتغير.. وجه فاطمة1 1990
5-للوقت المتغير.. وجه فاطمة2 1992
والمحور الدلالي الثالث هو الأصدقاء في مرآة الذات ويضم
1-يوسف القط 1987م
2-صورة زكي عمر ميتا.د.ت
3-وجوه(15 وجه)77-90
ولو نظرنا إلى هذه المحاور الثلاثة من حيث الكم، فإن المحور الأول مثل المحور الثاني يضم خمس قصائد، أما المحور الثالث فيضم ثلاث قصائد. وتقع قصائد المحور الأول في الفترة الزمنية من1967-1972م بينما تقع قصائد المحور الثاني في الفترة الزمنية1987-1992م، أما قصائد المحور الثالث فتقع في الفترة الزمنية 1977-1990م، وهذه الفترة الزمنية هى الأطول مع قلة ما تضمه من قصائد. وهي في الواقع الفعلي تضم نصوصا أكثر مما ضم المحور الأول والمحور الثاني على الإطلاق. وبيان ذلك أن عنوان "وجوه" يضم سبعة عشر وجها بإضافة زكي عمر ويوسف القط اللذين كتب عنهما الشاعر قصيدتين.
وهذه الوجوه السبعة عشرهي الأكثر حضورا بين بقية نصوص الديوان وهي التي ارتسمت على الذات الشاعرة وجوها وصورا وأشكالا. وهي التي كونت رؤية الشاعر عبر هذه السنين من "1977-1990"، ولو تأملنا قليلا، لتبين لنا نحن القراء أن هذه الوجوه لاتعني شخصا بعينه، ولكنها تعني صورا من الوجوه التي في حقيقتها جمع بين التأمل الفلسفي والتحولات الاجتماعية المؤلمة.
ومن بين هذه الوجوه، يوسف القط كاتب وشاعر مات في إحدى الحدائق العامة في ليلة من ليالي ديسمبر، وزكي عمرالذي مات غرقا في مياه الخليج العربي، وكان طريدا في مصر، وكانت نهايته الفاجعة. وأحمد زغلول الشيطي. وأولاد حاجو محمد. ولخضر بالكحل. ويسري الجندي. أضف إلى هذه الوجوه، وجه "أبوجهاد 1935-1988م" القائد الفلسطيني خليل الوزير الذي كتب له النماس قصيدة "الموت والأسئلة"1989م.
وجرت عادة الكتاب والشعراء أن يكتبوا عن الوجوه الراحلة، وأن يصفوا ماكانت عليه بالقدر الذي يصورحضورهم في وعي الكاتب أو الشاعر وهو وعي فردي، أو حضورهم في الوعي الجمعي إذا كانوا شخصيات كبرى بلغت منزلة الرمز. وفي هذه القصيدة "وجوه" نجد النماس يكتب عن يسري الجندي بوصفه وجها رمزيا للكاتب الكبير المؤثر في تاريخ المسرح والدراما وهو على قيد الحياة.فيسري رحل عن دنيا الناس"2022م. وقصيدة" وجوه" مداها الزمني من1977-1990م.
والأمر نفسه في الكتابة عن أحمد زغلول الشيطي الكاتب الروائي المولود في دمياط1961م وشغل الأوساط النقدية المصرية والعربية بروايته ورود مسمومة لصقرالتي صدرت 1990م ضمن ملف عدد من أعداد مجلةأدب ونقد.فالنماس يكتب عن وجهين من وجوه قصيدته. أحدهما وهو يسري الجندي كان ملء الأسماع والأبصار قبل أن يكتب عنه النماس. والثاني وهو أحمد زغلول كان في مقتبل الشباب،لكنه كان مبتلى آثر العزلة والانطواء احتجاجا على نمط الحياة الذي جعل الجد والاجتهاد سبيلين للفقر. كان أحمد زغلول هو الوجه الأول الصريح في وجوه هذه القصيدة. كتب عنه النماس:
يقيم في تابوته الحجري
ملكوته السري
لا يدخل إذ يدخل
لا يخرج إذ يخرج
ينام في ظلال الجدر القديمة
وتحته ينضح ماء التميمة
ينهض في صباحه المرقوم
يعالج المزلاج أو يستطلع الغيوم
كان زغلول هو الوجه الأول المأزوم، وكان يسري الجندي هو الوجه الرابع عشر وقبل الأخير في ترتيب الوجوه. وقد صوره النماس صورة المبتلى من أهل الطريقة:
قال لي موجع خلته موجعا
يبتلى المبتلى جوهرا
فإذا نظر المبتلى حيرا
وإذا نظر المبتلى حيرا
هو في كل حال
عيون الذي لايرى.
أما الوجوه الصريحة الأخرى، فهي وجوه طفت فوق سطح الذاكرة من مكان عربي هو الجزائر. الوجه الأول: أولاد حاجو محمد
محمد في"العطف" لا يزال
يزوج الظباء للعقارب السوداء
يصغر النوافذ الصغيرة...الصغيرة
ويحكم الرتاج والغطاء
يفر من سؤاله... عورته الجديدة
والوجه الثاني لخضر بالكحل:
سطيف تدفئها الثلوج
ولخضر المتأجج العينين والحكايا
يتحسس الساق التي انتثرت شظايا
ويغيب في قمح المروج
وبقية الوجوه منها ما أفرد له النماس قصيدة مثل زكي عمر ويوسف القطر وقصيدة" الموت والأسئلة" التي جعلها للقائد الفلسطيني"أبوجهاد". والوجوه الأخرى هي كما قلنا صور المفارقات التي حدثت في التحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر في فترة السيعينيات حتى بداية التسعينيات. ومن هذه الصور:
أنت سافرت وسمرت عيوني
ياغيابا راكض العينين محلول الضفائر
صار وجهانا طريدين وصرنا
كوكب التحديق في ليل المعابر
وارتباط مسارات الرؤية بالتحولات الاجتماعية وما طرأ بسببها من قضايا جعل قضية الوجود والمصيرهي أوضح القضايا التي تبلورت في شعر هذا الديوان، فالمجتمع المصري الذي كان ناهضا وفتيا في مواجهة التبعية والاستعمار، وفي قضايا التحرر والنمو الاقتصادي، داهمته أحابيل التآمر الداخلي والخارجي وأسفرت عن هزيمة مروعة، فكانت الصدمة أكبر من الفهم والاستيعاب وهي أشبه بالموت المفاجئ ورحيل كل من حولك والإحساس ببرد الوحدة والعزلة.
فالهزيمة في وجه من وجوهها أشبه بالموت، ورحيل الرفقاء واحدا إثر الآخر. لذلك كان حضور الموت أكبر من حضور الانكسار الاجتماعي. فتحولات الزمن بالمعنى الاجتماعي نجدها جلية في قصائد المحور الثاني: -للوقت المتغير.. وجه فاطمة 1 ووجه فاطمة 2. والصوت والرماد. كما نجد للزمن معناه الميتافيزيقي متمثلا في: الموت والأسئلة. والنفخ في صور الخروج.
فالمصير قضية وجودية لها وجه اجتماعي حيث يعيش الإنسان داخل جماعة بشرية تتسلط عليها سلطة النص، وسلطة النظام الاجتماعي السائد. والموت علامة من علامات التحول والغياب. وما بعد الموت يمثل الوجه الميتافيزيقي الذي يؤرق وجود الإنسان ويحرك كوامن الأشجان برحيل كل شيء وعلى الأخص الرفقاء والأصدقاء، والقلق الوجودي يترجمه الصوت المقترن بالرماد في جملة العنوان الدالة على الديوان.
ولعله يستدعي في ذاكرتي العنوان الساخر "حصاد الهشيم" أو "قبض الريح" لإبراهيم المازني. فالحصاد أخيرا كان الهشيم، وما فبضت عليه اليد كان الريح، فلا الهشيم حصاد، ولا الريح تبقى في اليد، فالصوت كان حصادا أسفر عن التراب. وقصائد هذا الديوان هي من معين هذا القلق الوجودي، الذي كان ترجمة للتخبط الاجتماعي البادي في تحولات المجتمع المصري وقتئذ. ولعل محمود درويش يصورها مجددا في" أحمد الزعتر".
قاومْ
إنَّ التشابه للرمال… وأنتَ للأزرقْ
وأعُدُّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
وأبحثُ عن حدود أصابعي
فأرى العواصمَ كلّها زَبَدَا
لم أغسل دمي من خبز أعدائي
ولكن كُلّما مرَّت خُطايَ على طريقٍ
فرَّتِ الطرقُ البعيدةُ والقريبةُ
كلّما آخيتُ عاصمةً رمَتني بالحقيبةِ
فالتجأتُ إلى رصيف الحلم والأشعار
كم أمشي إلى حُلْمي فتسبقني الخناجرُ
آه من حلمي ومن روما
جميلٌ أنت في المنفى
قتيلٌ أنت في روما
وحيفا من هنا بدأتْ
وأحمدُ سُلَّمُ الكرملْ
















0 تعليق