خالد دومة يكتب: العقاد الإنسان

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

العقاد بحرٌ زاخر، وأمواجٌ عاتية، وعواصف ورياح. وليس الحديث عن العقاد بالأمر السهل؛ فمن يقف على حافة ذلك البحر العميق يدرك أن النزول إليه يحتاج إلى حذرٍ شديد، ووعيٍ كامل، واستعدادٍ عقلي ونفسي وقلبي. وحديثنا هنا لن يكون عن العقاد كله، فذلك ما لا تطيقه صفحات، وإنما عن جانبٍ من جوانبه الإنسانية والفكرية، وعن نقاطٍ محدودة حتى لا تجرفنا أمواج ذلك العالم الواسع الذي لا تنتهي آفاقه.
إن العقاد الإنسان هو ما نريد أن نتحدث عنه، وهي مهمة ليست بالهينة، غير أننا نحاول أن نجمل القول قدر استطاعتنا المتواضعة أمام هذا الصرح الشامخ. فقد قيل في العقاد الكثير، لأنه شخصية ثرية لم تترك قضية من قضايا الحياة وأسرارها إلا وكان له فيها رأيٌ جديد، ينفرد به، قائم على التحليل والتفنيد وإعمال العقل. وكل ما كتبه إنما كان انعكاسًا لشخصيته ورؤيته للحياة والوجود من حوله.
لقد تعمق العقاد في معرفة الحياة واستكشاف أغوارها السحيقة، فكوّنت شدة الذكاء، وقوة الذاكرة، وفرط الحساسية، ذلك العقل الأديب والمفكر والموسوعي، وجعلت منه واحدًا من أعظم العقول في عالمنا العربي المعاصر. خاض معارك كثيرة، لكنها لم تكن معارك ضجيج أو خصومات شخصية، بل كانت معارك في ساحة العقل والقلب؛ كان يحمل فيها قيمًا إنسانية يدافع عنها ويجاهد في سبيل إعلاء شأنها. لم يكن يتساهل في تلك المعارك لأنه صاحب مصلحة ذاتية، بل لأنه كان يؤمن بالإنسان وكرامته، ويسعى إلى ترسيخ تلك القيم حتى تصير روحًا حية تجري في العروق والدماء.
ومنذ صباه الأول بدت للعقاد آراء واضحة في معظم القضايا، بناها من وحي فكره وقراءاته وتأملاته، ثم جاءت حياته نفسها وكأنها سلسلة من التجارب التي تثبت وجهة نظره وتمنحها الشواهد والأمثلة. فذوو النفوس الحساسة والعقول الكبيرة حين يعتنقون فكرة أو رأيًا، لا يصلون إليه بسهولة أو اندفاع، بل بعد تعبٍ طويل من البحث والتأمل والنقد. ولذلك كان العقاد ينقد الفكرة قبل أن يؤمن بها، ويختبرها قبل أن يعتنقها، ثم إذا اطمأن إليها عقلُه واستراح لها شعورُه، أصبح شديد الصلابة في الدفاع عنها.
ولم يكن العقاد رجل عقلٍ جامدٍ متعصب لرأيه، كما قد يتوهم البعض، بل كان مستعدًا للتراجع إذا ظهرت له حجة أقوى يقبلها العقل ويؤيدها المنطق. غير أن الوصول إلى قناعته لم يكن أمرًا يسيرًا، لأن رأيه لم يكن وليد هوى أو انفعال عابر، وإنما ثمرة دراسة وبحث وتجربة طويلة.
وفي مختلف نواحي الحياة، كان للعقاد رأيٌ يرتكز على عمقٍ وسعة اطلاع وتحليل نافذ. حتى المسائل التي قد يراها كثير من المثقفين تافهة أو غير جديرة بالاهتمام، كان يجد فيها جانبًا خفيًا يستحق التفكير والبحث. ففي جده وهزله رؤية، وفي أبسط التفاصيل فلسفة، وحتى اللعب واللهو كان ينظر إليهما بعين المفكر الذي يحاول فهم النفس البشرية ودوافعها.
ولهذا فإن دراسة العقاد دراسة حقيقية تحتاج إلى عقول متعددة المشارب؛ تحتاج إلى الأدب والفلسفة وعلم النفس والسياسة والاجتماع والفن والموسيقى والتاريخ، لأن شخصيته ومؤلفاته كانت عالمًا متشابكًا لا يمكن الإحاطة به من زاوية واحدة. ففي مقالاته وحدها زادٌ وفير لكل من أراد أن يتأمل طبيعة الحياة، وما يدور تحت قبة السماء وفوق سطح الأرض.
لقد كان العقاد نموذجًا فريدًا في علمه ومعرفته وسعة اطلاعه ونتاج قلمه، وصاحب عقلٍ من أقوى العقول العربية في التحليل والنقد واستكشاف أغوار الحياة وفلسفتها الكبرى. ولذلك لم يكن مجرد كاتب أو أديب، بل كان مشروع عقلٍ كامل، وتجربة إنسانية وفكرية لا تزال حتى اليوم قادرة على إثارة الدهشة وإيقاظ الفكر في النفوس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق