.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في 31 مايو 1934 انطلقت الإذاعة المصرية، وصار سحر الصوت يخضع لنظام محدد، وأصبح الببعض يقتني الراديو، لكن بعض الناس كان يتخوف ويتشكك ولا يعرف كيف يتعامل مع هذا التجديد المذي غير حياتهم، فكيف تعاملوا معه؟
يقول محمد جبريل في كتابه مصر في قصص كُتابها المعاصرين، في فصل "مصر 1935":
أصبح الفونوغراف هو وسيلة سماع الأغنيات في البيوت، فيما عدا قلة قليلة من الأثرياء اقتنوا أجهزة راديو، امتنع الكثيرون — لأعوام — عن شراء الراديو، حتى وجَّه بشأنه استفتاء إلى المفتي الشيخ محمد حسنين مخلوف: هل يجوز شرعًا بيع الراديو وشراؤه واقتناؤه؟ فأفتى المفتي بجواز ذلك.
ثم اقتحم العالم الخارجي معظم البيوت بواسطة الراديو، "ذلك الجهاز السحري"، بدأت الإذاعة المصرية بث برامجها في 31 مايو 1934م، وأقبل المواطنون على شراء أجهزة الراديو، وظهرت الأجهزة في المحال العامة والمقاهي، ومنها، كما تذكر، قهوة زقاق المدق، وأصبحت الإذاعة في النصف الأخير من الثلاثينيات "أهم مؤسسات الحياة الثقافية المصرية"، وكما قال الباشا (سلوى في مهب الريح) فقد "أصبح الراديو من حاجات العصر الحديث التي لا غنى لأحدٍ عنها"، وُضِع في بيت "بين القصرين"، بين حجرة الاستقبال وحجرة السفرة، جهاز راديو، تفتحه نعيمة بين ساعة وأخرى وهي تقول: "ميعاد إذاعة الأسطوانات يا ماما"، وحتى يستمع أحمد عبد الجواد — ذلك الباطش القديم — إلى برامج الراديو، فإنه يستأذن عائشة التي كانت في حزن لوفاة ابنتها نعيمة منذ عام وأربعة أشهر. أصبح الراديو تسلية الرجل الأولى، بعد أن هدَّه المرض والسن فلزم البيت، لا يكاد ينتقل من موضعه إلا إلى المشربية يطل منها على الغادين والرائحين. ويقول الرجل: «لا عمل لي طول اليوم إلا الاستماع إلى الراديو، ماذا كنت أصنع لو تأخر استعماله في مصر عن اليوم؟ كل ما يذيعه يطيب لي، حتى المحاضرات التي لا أكاد أفهمها.» أما أمينة، قد اعتبرت فضيلة الراديو الأولى أنه أتاح لها سماع القرآن والأخبار.
وكان شوقي — عندما يسمع صوت الشيخ محمد رفعت — يتلو سورة يوسف يكاد يبكي، ويحس في خشوعه بطعم الدموع، وكان الشيخ رفعت هو القارئ الذي يجمع الناس على سماع تلاوته للقرآن الكريم في مسجد الفاضل.
يقول الأب: «سأصلي العشاء في جامع العظام، ثم أذهب إلى مصر العتيقة لسماع الشيخ محمد رفعت يرتل القرآن.» يصفه كامل زهيري بأن «له صوتَ فنان حساس، كأنه مزيج التقوى والرجولة، يخرج المعاني الباطنة، فلا تحس أن صوتًا يرتل، أو رجلًا يقرأ، أو كلمات تُتلى، ولكنه نور هادئ وغامر، معتدل التوزيع، يمس شغاف القلب، ويغسل الأحزان والمواجع برفقٍ ورحمة.» لقد نقل الراديو الأفكار والثقافة والفنون إلى داخل كل بيت دخلت إليه الكهرباء، وأصبح جزءًا ثابتًا في حياة الأسر العادية، وتطورت السينما إلى حدٍّ مذهل من الشريط التسجيلي الصامت إلى الفيلم الدرامي الناطق، وتضاعفت أعداد دُور العرض السينمائي، ونشطت حملات محو الأمية، وظهرت المطبوعات الرخيصة التي كفلت الثقافة للملايين من البشر الذين لم تُتَح لهم هذه الفرصة قبلًا، وانتشرت المكتبات العامة لتزيد من عمق تلك الفرصة.
















0 تعليق