.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تقدم البرديات الطبية المصرية القديمة واحدة من أهم الشهادات المكتوبة على نضج المعرفة العلمية في مصر القديمة، فهي نصوص تجمع بين الملاحظة السريرية، والوصفة العلاجية، والخبرة الجراحية، ومعرفة الأعشاب والمعادن والمواد الحيوانية، كما تكشف عن مجتمع امتلك أطباء متخصصين، ومؤسسات علاجية، وخبرة متراكمة في التعامل مع الجسد والمرض والولادة والجروح والإصابات.
وتأتي أهمية هذه البرديات من كونها نصوصًا عملية، كتبها أطباء أو نساخ قريبون من الممارسة الطبية، وسجلت طرق التشخيص والعلاج قبل قرون طويلة من ازدهار الطب اليوناني، وتشير مراجعة علمية منشورة عام 2021 إلى أن المصريين القدماء مارسوا الطب بطرق مهنية متقدمة، وامتلكوا معرفة بالتشريح والجراحة، وعالجوا أمراضًا في الجهاز الهضمي، والمسالك البولية، والنساء، والأسنان، واستخدموا مواد نباتية وحيوانية ومعدنية في العلاج.
بردية إدوين سميث
تتصدر بردية إدوين سميث قائمة البرديات الطبية المصرية، وترجع النسخة المعروفة منها إلى نحو 1600 قبل الميلاد، مع اعتقاد عدد من الباحثين بأنها منسوخة عن أصل أقدم، وتوصف هذه البردية في الدراسات الحديثة بأنها أقدم نص جراحي معروف عن الإصابات، وقد تضمنت 48 حالة مرتبة من الرأس إلى أجزاء أخرى من الجسد، وتشمل الجروح والكسور والخلوع والأورام والإصابات الرضية، وتعتمد البردية على أسلوب واضح يبدأ بالفحص، ثم التشخيص، ثم تقدير حالة المريض، ثم العلاج، وهو ما جعلها وثيقة مركزية في تاريخ الطب والجراحة.
ويظهر التفوق المصري القديم في بردية إدوين سميث من خلال لغتها الإكلينيكية المباشرة، فالطبيب يفحص الجرح، يلمس موضع الإصابة، يراقب النبض، يصف الحالة، ثم يصدر حكمًا علاجيًا.
وتذكر الدراسات أن البردية سجلت أوصافًا مبكرة للبنى الجمجمية، والسحايا، وسطح المخ، والسائل الدماغي الشوكي، كما ربطت بين إصابات الرأس والشلل أو التأثير في أجزاء أخرى من الجسد. هذه المعرفة تجعل النص أقرب إلى دليل جراحي مبكر، وتضع المصري القديم في موقع متقدم داخل تاريخ الملاحظة الطبية.

بردية إدوين سميث
حكاية بريدية إيبرس
تأتي بردية إيبرس بوصفها موسوعة علاجية واسعة، وترجع إلى نحو 1550 قبل الميلاد، وهي محفوظة في مكتبة جامعة لايبزيج بألمانيا، وتعد من أطول وأكمل البرديات الطبية المصرية الباقية، إذ تضم مئات الوصفات والعلاجات، وتشير مراجعة علمية إلى أنها تحتوي على 876 وصفة علاجية استخدمت 328 مكوّنًا مختلفًا، أكثرها من أصل نباتي، وتغطي البردية موضوعات متعددة، منها أمراض الجهاز الهضمي، والجلد، والعين، والقلب، والطفيليات، وبعض الاضطرابات النفسية.
وتكشف بردية إيبرس عن جانب مهم من التفكير الطبي المصري، وهو الجمع بين الخبرة التجريبية والموروث الديني أو السحري الذي كان جزءًا من تصور العالم في ذلك الزمن، ومع ذلك، فإن قيمتها العلمية ظاهرة في كثافة الوصفات، وتنوع المواد المستخدمة، ومحاولة ربط الأعراض بعلاجات محددة، وتذكر البردية تصورًا خاصًا للقلب والأوعية، حيث جعل المصريون القلب مركزًا لمسارات الجسد، وهي فكرة تعكس محاولة مبكرة لفهم العلاقة بين أعضاء الجسم والسوائل والحياة.

حكاية بريدية إيبرس
بردية اللاهون الطبية
أما بردية كاهون، أو بردية اللاهون الطبية، فترجع إلى نحو 1825 قبل الميلاد، وتعد أقدم نص طبي مصري معروف متخصص في أمراض النساء والولادة، عثر عليها فلندرز بتري في اللاهون بالفيوم عام 1889، ونشرت ترجمتها الأولى على يد ف. ل. جريفيث عام 1893، وتتناول البردية قضايا الحمل والخصوبة وأمراض النساء، وتضم وحدات علاجية قصيرة تكشف عن اهتمام مبكر بصحة المرأة داخل الطب المصري القديم.
وتظهر أهمية بردية كاهون في أنها تجعل طب النساء مجالًا معروفًا ومكتوبًا في مصر القديمة قبل زمن طويل من التقاليد الطبية اليونانية، وتشير دراسة منشورة عن البردية إلى أنها أقدم وثيقة مصرية معروفة تتناول قضايا القبالة والنساء، كما تكشف عن نظام في طرح الحالة والعلاج، حتى مع ارتباط بعض التشخيصات بتصورات قديمة عن الرحم.

بردية اللاهون الطبية
بردية هيرست الطبية
وتأتي بردية هيرست الطبية ضمن النصوص المهمة القريبة من بردية إيبرس، وتحتوي على وصفات لعلاج مشكلات المسالك البولية والجهاز الهضمي وأمراض أخرى. وتشير المصادر المتخصصة في النصوص الطبية المصرية إلى أن عددًا من وصفاتها يتكرر في بردية إيبرس وبردية برلين، بما يكشف عن وجود تقاليد علاجية متداولة ومكتوبة، ومخزون طبي تناقلته المدارس أو البيوت الطبية عبر الزمن.

بردية هيرست الطبية
بردية لندن الطبية
وتعد بردية لندن الطبية، المحفوظة في المتحف البريطاني تحت رقم BM EA 10059، شاهدًا آخر على تنوع المعرفة الطبية المصرية. يذكر المتحف البريطاني أن النص مكتوب بالهيراطيقية على الوجه والظهر، ويضم أعمدة من التعاويذ والوصفات الطبية. وتصف منصة Google Arts & Culture هذه البردية بأنها تجمع بين الوصفات والتعاويذ لعلاج أمراض مختلفة، مع الإشارة إلى أن بعض البرديات، مثل إدوين سميث، تميل إلى الملاحظة والتحليل بصورة أوضح.

بردية لندن الطبية
بردية برلين الطبية
وتكتمل الصورة مع بردية برلين الطبية، القريبة في محتواها من إيبرس وهيرست، ومع برديات أخرى أقل شهرة، لكنها تكشف عن شبكة واسعة من النصوص الطبية المصرية. وتذكر دراسة "The Old Egyptian Medical Papyri" أن بردية برلين ذات صلة وثيقة ببرديتي إيبرس وهيرست، وقد علق عليها فالتر فريزنسكي عام 1909، وهو من الأسماء الأساسية في نشر النصوص الطبية المصرية وتحليلها.
ومن خلال هذه البرديات يمكن تحديد ملامح التفوق المصري القديم في خمسة مجالات رئيسية: الجراحة، والصيدلة، وطب النساء، وتشخيص الإصابات، وتنظيم المعرفة الطبية في نصوص قابلة للتعليم والنقل. فالطبيب المصري عرف التجبير، والضمادات، والخياطة، واستخدام العسل في علاج الجروح، واستعمال الزيوت والدهون والأعشاب والمعادن، كما امتلك قدرة على وصف الحالات ومتابعة الأعراض وربط الإصابة بنتائجها الجسدية. وتؤكد مراجعة علمية حديثة أن بعض النباتات والمواد التي استخدمها المصريون القدماء بقيت حاضرة في الطب الشعبي أو البحث الدوائي الحديث.

بردية برلين الطبية
أثر البرديات المصرية القديمة على تطور الطب في أوروربا
أما أثر هذه البرديات في أوروبا، فقد جاء عبر مسارين أساسيين، المسار الأول قديم، ويمر عبر اليونان ثم العالم الروماني، فقد عرف اليونان سمعة الطب المصري، وأشار عدد من الباحثين إلى أن الطب المصري أثر في تقاليد طبية لاحقة، منها الطب اليوناني. وتذكر دراسة عن التراث الجراحي المصري أن الطب المصري أثر في طب الثقافات المجاورة، بما فيها اليونان، ثم انتقل هذا الأثر من اليونان إلى آفاق أوسع.
والمسار الثاني حديث، بدأ مع اكتشاف البرديات ونشرها وترجمتها في أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فبردية إيبرس انتقلت إلى ألمانيا، وبردية لندن محفوظة في المتحف البريطاني، وبردية إدوين سميث درست ونشرت في طبعات علمية مهمة، أبرزها عمل جيمس هنري برستد في جامعة شيكاغو. ومن خلال هذه الترجمات دخل الطب المصري القديم إلى تاريخ الطب العالمي بوصفه أصلًا موثقًا من أصول المعرفة السريرية والجراحية، وأصبح مادة أساسية في دراسات تاريخ الطب والأنثروبولوجيا الطبية.
وتكشف البرديات الطبية المصرية القديمة عن حضارة تعاملت مع المرض بوصفه تحديًا عمليًا ومعرفيًا، كانت هناك تصورات دينية وسحرية تنتمي إلى زمنها، وكانت هناك أيضًا خبرة مباشرة بالجسد، وبالألم، وبالجروح، وبالحمل، وبالعلاج. ومن هذه المساحة المركبة خرجت واحدة من أقدم المدونات الطبية في التاريخ، مدونة تثبت أن المصريين القدماء امتلكوا قدرة عالية على الملاحظة والتنظيم والتجريب، وأن ما تركوه في البرديات وصل إلى العالم الحديث بوصفه دليلًا مكتوبًا على مكانة مصر القديمة في تاريخ العلم والطب.














0 تعليق