لم يكن الأدب في مصر القديمة نتاج الخيال وحده، بل كان صدى حيًّا لتحولات التاريخ وتقلبات الزمن فقد تشكّلت ملامحه تحت تأثير ما شهدته البلاد من قوة وضعف، واستقرار واضطراب، فانعكس ذلك كله في نصوص حملت روح العصر وهموم الإنسان ومن هنا، يصبح النظر في التاريخ المصري القديم خطوة ضرورية تمهّد لفهم هذا الأدب، وتكشف الخلفية التي صنعت موضوعاته ووجّهت مسيرته، ومن أبرز من تحدثوا عن الأدب المصرى القديم عالم المصريات الكبير سليم حسن، من خلال موسوعته الشهيرة "موسوعة مصر القديمة".
عصر الدولة الوسطى
يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة الجزء السابع عشر: الأدب المصري القديم: في القصة والحكم والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وفي فصل بعنوان "لمحة عن التاريخ المصري القديم" والذي تحدث فيه عن تطور الأدب المصرى بدءً من الدولة القديمة إلى الدولة الحديثة مرورًا بالعصر الإهناسي والدولة الوسطى وعصر الهكسوس، وسنقف اليوم عند الدولة الوسطى وعهد الهكسوس: الدولة الوسطى الأسرة الثانية عشرة (1995 – 1790ق.م)، رأس هذه الأسرة ومؤسِّسها «أمينمحات الأول» (1995 – 1965ق.م) ولقد حكم البلاد بيدٍ من حديد، وقضى على أذيال الفوضى التي بقيت تعبث في أنحائها، وسار ابنه «سنوسرت الأول» (1975 – 1934ق.م) على غراره، ولقد عمل هو والملك «سنوسرت الثالث» (1882 – 1845ق.م) على مد رقعة البلاد، واتساع سلطانها على البلاد المجاورة، كما يعزى إلى أمينمحات الثالث من ملوك هذه الأسرة تحويل الفيوم إلى أرض زراعية منتجة، وتناول مرافق أخرى عظيمة بالإصلاح والتعمير.
ويعتبر عصر هذه الأسرة العهد الذهبي للأدب «العهد الكلاسيكي»؛ إذ ظهرت كتابة فنية خالصة عني فيها بالناحية الفنية لذاتها، تنتظم موضوعات منوَّعَة قيمة من القصص والتأملات والأناشيد الدينية والدنيوية، وكذلك أخذ الفراعنة يمدون فتوحاتهم شمالًا وجنوبًا؛ مما جعل مصر يومئذٍ تحتل مكانةً ثقافيةً وسياسيةً ساميةً، فبدأت تنشئ علاقات وثيقة، وتختلط بجيرانها من ناحية آسيا والسودان.
قصص ناضجة
والقصص التي وصلت إلينا من عهد الدولة الوسطى قصص ناضجة تدل على أن هذا الفن بلغ في عهد هذه الدولة ذروته، وإن كان قد أخذ في الهبوط بعد ذلك، كما أن سائر ألوان الأدب التي تُنسَب إلى هذه الدولة كاملة النمو أيضًا، وليس من الطبيعي أن يُولَد الشيء ناميًا كاملًا، بل من الطبيعي أن يُولَد طفلًا، ثم يصعد في معارج النمو حتى يستوي خلقه وتكمل بهجته في ربيع شبابه، فأدب الدولة الوسطى جاءنا كالشعر العربي الجاهلي محكم النسج، راقي المعنى، تام النمو؛ فلا بد أنه بدأ مثله بمحاولات ناقصة، أخذت ترقى وتتم على مر الزمان وإذا عرفنا أن عهد الدولة القديمة بين الأسرة الرابعة والسادسة عهد ازدهار في العلم والفن، من رياضة، وطب، وعمارة، ونحت، وتلوين؛ ما تردَّدنا في أن نقطع بأنه كان للأدب أيضًا في عهد الدولة القديمة شأن؛ لأنه فن، ولما بين الفنون من تجاوبٍ وصِلَةٍ مرجعهما نضج العقل والذوق، ومما يقوي صحة هذه النتيجة أن المصريين أنفسهم في عهد الدولة الوسطى كانوا ينسبون ما اشتهر من حِكَمهم وأمثالهم إلى حكماء الأسرة الخامسة.
ولا مراء في أن الأدب التعليمي الذي وصل إلى ذروته عقب انقضاء عهد الدولة القديمة قد أثَّر تأثيرًا عظيمًا في خلق القصة القصيرة، وترى علامة ذلك في القصص الثلاث الأولى التي سندرسها في هذا الفصل، وهي: قصة «الغريق» وقد حُكِيت بطريقة سهلة ولغة عذبة، وقصة «سنوهيت» وقد خلق الكاتب لحوادثها جوًّا وقعت فيه، ونقل القارئ إليه، ولغتها عالية دخلت فيها بعض الصناعة اللفظية، وقصة «الفلاح الفصيح» وهي في مجموعها قطعة من الأدب الراقي المتكلف في كثير من نواحيه، وتشبه في صناعتها مقامات الحريري، وقد ابتدأها كاتبها بوصف البيئة التي وقعت فيها.


















0 تعليق