في مثل هذا اليوم، 26 أبريل 1796، شهدت مدينة اللاذقية واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في تاريخها، بعدما ضربها زلزال مدمر بلغت قوته نحو 6.8 درجة على مقياس ريختر، مخلّفًا دمارًا واسعًا وخسائر بشرية جسيمة.
وقع الزلزال في ساعات الصباح، واستمر نحو دقيقة واحدة، كانت كفيلة بتحويل المدينة إلى أنقاض. وانهار ثلث اللاذقية بالكامل، فيما تعرضت بقية أحيائها لأضرار بالغة، وسط تقديرات بمقتل ما بين 1500 إلى 2000 شخص من إجمالي عدد السكان الذي لم يتجاوز 5000 نسمة آنذاك.
وامتد تأثير الزلزال إلى المناطق المجاورة، حيث دُمّرت قرى كاملة في سهل النهر الكبير الجنوبي، كما شهدت مدينة جبلة انهيار معظم منازلها، وجفاف آبار المياه نتيجة التشققات الأرضية، فيما تعرض الساحل الممتد بين جبلة والبقاع لدمار شبه كامل.
وصف مؤرخون تلك اللحظات بأنها من الأكثر قسوة في تاريخ المدينة، حيث انهارت أحياء كاملة، خاصة المنطقة الممتدة من وسط اللاذقية حتى البحر. واضطر السكان إلى الفرار والإقامة في البساتين تحت الخيام لفترات طويلة، خوفًا من الهزات الارتدادية.
وأشار رحالة إنجليزي زار المدينة عام 1813 إلى أن عدد سكانها تراجع بشكل ملحوظ بعد الكارثة، ليتراوح بين 3 و4 آلاف نسمة فقط، ما يعكس حجم الخسائر البشرية والهجرة التي أعقبت الزلزال.
من كارثة طبيعية إلى تمرد سياسي
لم تتوقف تداعيات الزلزال عند حدود الدمار، بل امتدت إلى المجال السياسي. إذ تشير روايات تاريخية إلى أن والي طرابلس، الذي كانت اللاذقية تتبعه إداريًا، حاول فرض الضرائب على الأهالي رغم الكارثة.
وأثار ذلك غضب السكان، الذين ثاروا بقيادة رجل يُدعى "حنا كبة"، في انتفاضة أدت إلى إنهاء تبعية المدينة لطرابلس، لتصبح لاحقًا وحدة إدارية مستقلة تتبع القسطنطينية مباشرة.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن الزلزال لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان بداية لسلسلة من الكوارث والتغيرات الإدارية في المنطقة. ففي عام 1821 تقلص نفوذ طرابلس، ثم تعرضت المنطقة لزلزال آخر عام 1822، قبل أن تدخل تحت حكم إبراهيم باشا عام 1823، وفي عام 1865 أصبحت جبلة قضاءً إداريًا مستقلاً.
وثيقة نادرة توثق الكارثة
وتبرز أهمية وثيقة تاريخية نادرة، عبارة عن رسالة من علي بك الأسعد المرعبي، متسلم طرابلس واللاذقية، إلى السلطان العثماني محمود الثاني، يصف فيها زلزالًا مدمرًا ضرب المنطقة عام 1822، مستعيدًا أيضًا ذكر زلزال 1796.
وتصف الرسالة مشاهد مروعة، منها خروج البحر عن مجراه لمسافة كبيرة، وانهيار القرى والجسور، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، إضافة إلى تدمير معالم بارزة مثل خان الدخان، الذي قُتل فيه مئات الأشخاص.
كما أشارت الوثيقة إلى تشكيل لجان شرعية لحصر الوفيات وتوزيع الإرث، في محاولة لتنظيم آثار الكارثة، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي أصاب المجتمع بأكمله.














0 تعليق