د. عبد الرحيم ريحان يكتب: سيناء بين الماضى والحاضر

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى ذكرى تحرير سيناء نرصد حكاية الإنسان السيناوي منذ فجر التاريخ الذى عاش فى مبانى حجرية يطلق عليها أهل سيناء النواميس، وأثبتت الدراسات المختلفة أنها تعود إلى عصر البرونز المبكر (3300-2000 ق.م) وهى فترة تحول حضاري شهدت بداية استخدام سبيكة البرونز (نحاس وقصدير) في الأدوات والأسلحة مما قلل الاعتماد على الحجر.

وفى عصر مصر القديمة حرص قدماء المصريين على إرسال البعثات لتعدين الفيروز فى سرابيط الخادم، والنحاس فى وادى النصب الغربى وكانوا يستخدمون ميناء أبو زنيمة عند التوجه إلى سرابيط الخادم وميناء أبو رديس عند التوجه إلى وادى المغارة.

وعبر طريق حورس بشمال سيناء دحر المصريون الهكسوس ملوك الرعاة، وواجه رمسيس الثاني (1304-1237 ق.م.) تمرد مملكة خيتا التي حرضت سكان سوريا ضد مصر وسارت جيوش رمسيس الثانى عبر الطريق الحربى بشمال سيناء لإخماد الفتنة.

 

الأنباط

عاش على أرض سيناء الأنباط بعد أن أسسوا مملكة كبرى عاصمتها البتراء في الأردن منذ القرن الرابع قبل الميلاد وحتى عام106م نهاية دولتهم سياسيًا مع استمرار أنشطتهم التجارية، واتصلوا بسيناء بعد نهاية دولتهم رسميًا حيث استمر نشاطهم فى حكم الرومان وكان للأنباط طريق بسيناء من أيلة (العقبة حاليًا) على رأس خليج العقبة إلى ميناء دهب ومنها بريًا إلى وادى فيران مارًا بجبل موسى إلى رأس سدر وعيون موسى حتى ميناء القلزم (السويس) ثم برًا إلى نهر النيل ومنه للإسكندرية لتبحر إلى أوروبا، واستخرج الأنباط الفيروز من وادى المغارة والنحاس من وادى النصب بسيناء وتركوا نقوشًا عديدة فى أودية سيناء وآثارًا بمدينة دهب بجنوب سيناء وقصرويت بشمال سيناء وأبدعوا نظامًا مائيًا عبقريًا لكيفية الاستفادة من سيول وأمطار سيناء للشرب والزراعة.

 

العائلة المقدسة

جاءت العائلة المقدسة قادمة من فلسطين، إلى مصر عبر طريق شمال سيناء من رفح إلى الفرما، وبدأت حركة الرهبنة بسيناء فى القرن الثالث الميلادى لقدسية المكان من وحى الله عز وجل لموسى عليه السلام، بالإضافة لطبيعة المكان المنعزلة المناسب لحياة الرهبنة وتوافر مصـادر المياه من عيون طبيعية وآبار وأمطار وأنشأت الإمبراطورة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين فى القرن الرابع الميلادى برجـين وكنيسة عند شجرة العليقة الملتهبة من يدخلها حتى الآن يخلع نعليه تأسيًا بنبى الله موسى.

وتأسست فى سيناء أقدم أبرشية بمنطقة وادى فيران التى تبعد 50كم شمال غرب دير سانت كاترين منذ القرن الرابع الميلادى، كما تجمع عددًا من الرهبان حول مصادر المياه بشمال سيناء، ولقد كشف عن العديد من الآثار المسيحية من أديرة وكنائس بشمال سيناء، وبنى الإمبراطور جستنيان دير طور سيناء فى القرن السادس الميلادى وخصص للعذراء مريم وفى القرن التاسع الميلادى أطلق على الدير دير سانت كاترين تخليدًا لذكرى سانت كاترين بعد أن عثر أحد الرهبان على بقايا جثامينها فوق أحد جبال سيناء الذى سمى باسمها فيما بعد وهو أعلى جبال سيناء2639م فوق مستوى سطح البحر، كما بنى دير آخر في القرن السادس الميلادى مكتشف بقرية الوادى 5كم شمال طور سيناء.

 

الفتح الإسلامى

دخل عمرو بن العاص رضى الله عنه إلى مصر عن طريق سيناء ووصل إلى الفرما فى شهر(ربيع الأول سنة 16هـ ، يناير 640 م)، وتعرض الفاطميون عن طريق سيناء لخطر الصليبيين فتقدم بلدوين الأول (512هـ ، 1118م) بجيش عن طريق شمال سيناء ووصل غزة ثم العريش وبحيرة سربنيوس التى عرفت فيما بعد باسمه (بحيرة البردويل) وعجز أن يتابع سيره داخل مصر فعاد من حيث أتى ومات بسيناء ثم حمل جثمانه إلى القدس ودفن بكنيسة القيامة.

وانتشرت المنشئات الدينية بسيناء مثل الجامع الفاطمى داخل دير سانت كاترين ومسجد على قمة جبل موسى ومسجدين بوادى فيران ومسجد قاطية بشمال سيناء.

وخرج صلاح الدين عام (566 هـ ، 1170م) عن طريق سيناء بمراكب مفككة حملها على الإبل ولما وصل إلى أيلة ركب تلك المراكب وأنزلها البحر وقاتل أيله برًا وبحرًا حتى فتحها وترك بها حامية أيوبية وعاد إلى مصر وشيد بسيناء قلعته الشهيرة بجزيرة فرعون وقلعة الجندى برأس سدر وكان له طريق خاص بوسط سيناء يسمى طريق صدر- أيلة هو الممر الرئيسى لجيوشه من القاهرة.

ودحر صلاح الدين أكبر حملة على قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بطابا وهى حملة الأمير أرناط صاحب حصن الكرك عام1182م، وكان للحمام الزاجل دورًا كبيرًا فى سرعة توصيل رسائل الاستغاثة وقد حمت قلعة صلاح الدين بطابا سيناء كلها من أكبر هجوم للصليبيين هدد طريق الحج والحجاج المتجهين إلى مكة المكرمة.

وفى عهد المماليك البحرية (648 – 784 هـ ، 1250 – 1382 م) استرجع السلطان بيبرس البندقدارى أيله بعد أن أعاد الصليبيون احتلالها، وزار مكة بطريق السويس - أيلة وصارت هذه الطريق هى طريق الحج المصرى منذ ذلك الوقت وحتى عام 1884 حين اتخذت طريق البحر الأحمر إلى جدة، وفى عهد السلطان منصور قلاوون مهّد نقب العقبة فى درب الحج المصرى وفى عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون حجّ إلى مكة متخذًا هذا الطريق، وتم كشف ميناء الطور المملوكى الذى خدم حركة التجارة بين الشرق والغرب عبر سيناء حتى افتتاح قناة السويس.

وفى عهد المماليك الجراكسة (784 – 922 هـ ، 1382 – 1516م) بنى السلطان قانصوة الغورى القلاع على درب الحج ومنها قلعة نخل بوسط سيناء وقلعة العقبة، وفى العصر العثمانى (923 – 1213 هـ، 1517 – 1798 م) بنى السلطان سليم الأول قلعة الطور المندثرة الآن، وبنى السلطان سليمان (926-974هـ ، 1520-1566م) قلعة العريش ورمم قلعة نخل.

حين تولى محمد على حكم مصر (1805-1848م) كانت سيناء بالطبع ضمن ولايته وفى عام 1825 أرسل مهندس فرنسى أسمه الموسيو لينان إلى بلاد الطور الذى درس معادنها ورسم خارطة لها وسمى نفسه هناك عبد الحق وكانت الخارطة التى رسمها هى أول خارطة وضعت لسيناء فى التاريخ الحديث.

وزار عباس الأول بن طوسون بن محمد على (1848 – 1854) سيناء وبنى حمام فوق النبع الكبريتى بمدينة الطور ومهد طريقًا من دير سانت كاترين إلى قمة جبل موسى وشرع فى بناء قصر جميل على جبل تلعة غرب جبل موسى ومد طريق للعربات من الطور لهذا القصر ولكنه توفى قبل أن يكمله وأسس سعيد بن محمد على (1854 – 1863) محجر الحجاج بطور سيناء عام 1858.

وتحتضن نويبع النقطة العسكرية المتقدمة وهى أقدم مركز بوليس بسيناء ومصر عامة تعود إلى عام 1893وكذلك قصر عباس ومساكن عباس بسانت كاترين.

 

سيناء أثناء الاحتلال

شهدت سيناء فصولًا من الصراع الإسرائيلى، وشهدت طرق سيناء عام 1956م العدوان الثلاثى مستخدمين عدة محاور حيث تمتلك سيناء ثلاثة خطوط استراتيجية للدفاع عنها، وأخضعت إسرائيل سيناء للحكم العسكرى حين احتلالها عام 1967 وقسمتها إلى منطقتين هما شمال سيناء، وجنوب سيناء ووضعتها تحت إدارة مستقلة وعينت حاكم عسكرى على كل منطقة.

وأقيمت فى سيناء المستوطنات أهمها أوقيرا بجوار شرم الشيخ، ذى هاف قرب دهب ، زاحارون 10كم شرق العريش، ياميت 7كم قرب رفح، وبعد انتصار أكتوبر 1973 العظيم تم توقيع اتفاقية كامب دافيد فى 26 مارس 1979وبدأت مراحل استعادة أرض سيناء حتى عودة آخر شبر بسيناء فى طابا ورفع العلم المصرى عليها فى 19 مارس 1989.

 

مشروع التجلى الأعظم

تولى الدولة حاليًا اهتمامًا خاصًا لتنمية سيناء بمشاريع قومية حيث انطلق مشروع التجلى الأعظم فى 21  يوليو 2020 بزيارة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء المعنيين لسانت كاترين والاستماع لرؤى كل الجهات المسئولة ووضع خطة المشروع بما يتوافق مع معايير اليونسكو باعتبار مدينة سانت كاترين مسجلة تراث عالمى عام 2002، وبدأ التنفيذ الفعلى لعدد 14 مشروع عام 2021.

مساحة المشروع 2 مليون متر مربع ما بين جبل موسى وجبل سانت كاترين، يوفر 5 آلاف فرصة عمل ما بين مهندسين وعمال، المشروع  سفيرًا للسياحة ونقطة الانطلاق لسياحة المسارات الروحية أغلى أنواع السياحة فى العالم والتى ستصل بنا إلى 30 مليون سائح بشرط وجود طاقة فندقية وطاقة طيران ومطارات تستوعبها.

يتضمن 14 مشروعًا منها مركز الزوارالجديد بميدان الوادي المقدس كواجهة حضارية لاستقبال الضيوف على مساحة 3170 م2، الفندق الجبلى بمساحة 12900 م2 من 144 غرفة وأجنحة ويتمتع بإطلالات متعددة على دير سانت كاترين وهضبة التجلى ووادى الراحة، مبنى السلام والساحة الخارجية وتشمل ساحة للاحتفالات الخارجية - مبنى عرض متحفى متنوع - مسرح وقاعة مؤتمرات - كافيتريا - غرف اجتماعات)، النزل البيئى الجديد "امتداد" بمنطقة وادى الراحة على مساحة 39500 م2، إنشاء ممشى (درب موسي) ليحاكى المسار التاريخى لسيدنا موسى عبر وادى الراحة وصولاً إلى جبل التجلي،  تطوير منطقة وادي الدير أحد أهم مناطق سانت كاترين لكونه الوادي المقدس وتبليطه بأحجار من البيئة السيناوية وإضاءته بإضاءة سفلية هادئة تناسب طبيعة هدوء وجلال وجمال الموقع، مشروع حماية دير سانت كاترين بنظام إنذار مبكر وإطفاء تلقائى للحريق وكاميرات مراقبة بكل المنطقة، تطوير وادي الأربعين ومركز المدينة التراثي لجذب السياحة البيئية فى مسار مشاه ودراجات بوادي الأربعين، إنشاء مجموعة من الفنادق الإيكولوجية وهى منشئات سياحية تستخدم خامات طبيعية من البيئية، وإنشاء مشفى عالمى يعتمد على العلاج بالأعشاب وتطوير الصناعات التراثية السيناوية التى تعتمد على منتجات سيناء من تمور وزيت زيتون وأصداف بحرية ومشغولات يدوية وتطوير مطار سانت كاترين وإنشاء مخرات للسيول للاستفادة من المياه.

من الجانب الاجتماعى فإن المشروع يتضمن تحويل التراث الثقافى والطبيعى ليؤدى وظيفة فى حياة المجتمع المحيط وتشجيع المجتمع باستثمار موارد فى التراث ومشاركة القيادات المحلية والأهالى فى كل مراحل المشروع.

 

تطوير الفرما

قامت الدولة بتطوير منطقة آثار الفرما المحطة الرئيسية لعبور العائلة المقدسة طريق شمال سيناء قادمة من رفح بأعمال رفع كفاءة موقع الفرما الأثري ورصف الطريق المؤدي إلى المنطقة بداية من طريق (العريش - القنطرة شرق) بطول 4 كيلومترات، في اتجاه الشمال وإنارة وتشجير الطريق بعد رصفه، مع توصيل خط مياه عذبة إلى الموقع وتمهيد ورفع كفاءة الطريق الداخلية المؤدية إلى كنائس تل مخزن، ومدينة الفرما بطول 6 كيلومترات بالإضافة إلى إنشاء سور لحماية المواقع الأثرية بالمنطقة البالغ مساحتها 300 فدان، وإنشاء مظلات بمسارات الزيارة، بجانب إنشاء متحف ومركز للحرف التراثية البدوية التي تتميز بها شمال سيناء.

 

متحف شرم الشيخ

تعود فكرة بناء المتحف الى عام 2006 وفى عام 2017 تم استكمال بناء المتحف الذى يعرض مجموعة منتقاة من القطع الأثرية التي تم إختيارها بعناية من المخازن المتحفية، وتعبر القاعة الكبرى في العرض المتحفي عن الإنسان والحياة البرية في مصر القديمة واهتماماته بالعلم والرياضة والصناعات والحرف وحياته العائلية وحبه للحيوانات لدرجة التبجيل كما يعرض بعض الحيوانات المحنطة.

ومن أهم القطع التي تضمها قاعة الحضارات هي التابوت الداخلي والخارجي لإيست ام حب زوجة بانجم الثاني الكاهن الأكبر لآمون وحاملة لقب: "كاهنة المعبودة إيزيس و المعبودين مين وحورس بأخميم "  وأيضا صناديق الأواني الكانوبية الخاص بها  وبردية إيست إم حب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق