الإلياذة فى مقابر المنيا.. أشعار لـ هوميروس فى البهنسا

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أعاد الكشف الأثرى الجديد فى منطقة البهنسا بمحافظة المنيا تسليط الضوء على واحدة من أكثر مدن مصر الوسطى ثراءً فى طبقاتها التاريخية، بعد إعلان وزارة السياحة والآثار العثور على مقبرة من العصر الرومانى تضم مومياوات وتوابيت خشبية وألسنة ذهبية، إلى جانب بردية نادرة تحتوى نصًا من الكتاب الثانى من "الإلياذة" لهوميروس، ويمنح هذا الكشف البهنسا قيمة مضاعفة، لأنه يجمع فى موقع واحد بين الممارسة الجنائزية المصرية فى العصرين اليونانى والروماني، والحضور الأدبى الإغريقى داخل السياق الجنائزى نفسه.

وجاء الإعلان عن الكشف من خلال البعثة الأثرية الإسبانية التابعة لجامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم، برئاسة الدكتورة مايته ماسكورت والدكتورة إستير بونس ميلادو، أثناء أعمال الحفائر فى الموقع. ووفق البيان الرسمي، فإن المقبرة المكتشفة تعود إلى العصر الروماني، وقدمت معطيات جديدة عن طقوس الدفن فى البهنسا خلال تلك الفترة، خاصة من حيث تجهيز المومياوات ومحتويات المقبرة والرموز المصاحبة لها.

ما الذى عثر عليه داخل المقبرة؟
 

عدد من المومياوات من العصر الروماني، وبعضها ملفوف بلفائف كتانية مزخرفة بزخارف هندسية، كما عُثر على توابيت خشبية، وثلاثة ألسنة ذهبية، ولسان واحد من النحاس، إضافة إلى آثار لاستخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات. وتكشف هذه العناصر عن عناية واضحة بمراسم الدفن، وعن حضور معتقدات مرتبطة بالانتقال إلى العالم الآخر، وهى معتقدات عُرفت فى بعض مدافن العصرين اليونانى والرومانى فى مصر.

وتبرز الألسنة الذهبية ضمن أهم عناصر الكشف، لأنها ترتبط بفكرة تمكين المتوفى من الكلام فى العالم الآخر، وهى ممارسة سبق رصدها فى بعض المدافن المتأخرة فى مصر، وإضافة اللسان النحاسى توسع دائرة التساؤلات حول الفروق الاجتماعية أو الطقسية بين المدفونين، أو حول تنوع المواد المستخدمة فى التجهيز الجنائزى داخل الموقع نفسه.

لماذا أثارت بردية هوميروس هذا الاهتمام الكبير؟

القطعة الأشد لفتًا للانتباه فى الكشف هى البردية التى وُجدت داخل إحدى المومياوات، وتحمل نصًا من الكتاب الثانى من "الإلياذة" لهوميروس، وهو الجزء المعروف باسم "فهرس السفن" أو "Catalogue of Ships"، ويضم وصفًا للمشاركين فى الحملة اليونانية ضد طروادة. هذه المعلومة وردت فى أكثر من تغطية صحفية استندت إلى البيان الرسمى أو إلى تصريحات مسؤولى الآثار، وهو ما جعل الكشف يتجاوز قيمته الجنائزية إلى قيمة أدبية وثقافية أوسع.

أهمية هذه البردية تنبع من أكثر من جانب، الجانب الأول أنها تؤكد حضور النصوص اليونانية الكلاسيكية فى مصر خلال العصر الرومانى ضمن فضاء اجتماعى وجنائي، والجانب الثانى أنها تكشف عن مستوى من التفاعل الثقافى بين الموروث المصرى المحلى والتراث الأدبى الإغريقي، أما الجانب الثالث فيرتبط بالسؤال العلمى عن وظيفة النص داخل المومياء: هل استُخدم بوصفه مادة كتابية أعيد توظيفها، أم كانت له دلالة رمزية أو تعليمية أو مكانة خاصة لدى صاحب الدفن؟ هذا السؤال ما زال مفتوحًا، لأن الإعلان الأولى ركز على ماهية النص المكتشف أكثر من تفسير وظيفته الدقيقة.

أين تقع البهنسا؟ ولماذا تحظى بهذه الأهمية؟

تقع البهنسا فى محافظة المنيا، وهى مدينة تاريخية عُرفت فى العصور القديمة باسم أوكسيرينخوس Oxyrhynchus، وتُعد من أشهر مواقع مصر التى حفظت كمًا ضخمًا من البرديات اليونانية واللاتينية والقبطية والعربية. لذلك فإن العثور على نص أدبى يونانى فى هذا الموقع ينسجم مع طبيعته التاريخية بوصفه أحد أكبر خزائن البرديات فى العالم القديم. كما أن البهنسا تحمل قيمة أثرية ودينية ممتدة عبر عصور متعددة، من العصر المصرى المتأخر إلى اليونانى والرومانى ثم العصور الإسلامية.

وهذه الخلفية تفسر لماذا يُنظر إلى أى كشف جديد فى البهنسا بوصفه حدثًا يتجاوز حدود المحافظة نفسها. فالمكان بطبيعته يربط بين التاريخ المحلى والتاريخ المتوسطي، وبين الأثر الجنائزى والنص المكتوب، وبين المصرى واليونانى والرومانى فى بنية واحدة.

ماذا يقول الكشف عن طقوس الدفن فى العصر الروماني؟

المقبرة المكتشفة تعزز صورة معروفة لدى الباحثين عن الطابع المركب لطقوس الدفن فى مصر خلال العصر الروماني. فهناك استمرار لعناصر مصرية قديمة فى تجهيز الجثمان والعناية بفكرة الحياة الأخرى، يقابله حضور واضح لعناصر ثقافية يونانية ورومانية فى اللغة والنصوص والمواد المصاحبة. ووجود الذهب على المومياوات، مع الألسنة الذهبية، ومع بردية من هوميروس، يقدم مثالًا حيًا على هذا التداخل الحضارى داخل ممارسة جنائزية واحدة.

ومن جهة أثرية، فإن زخارف الأقمشة الكتانية، والتوابيت الخشبية، والمواد المعدنية، تساعد فى فهم المستوى الاقتصادى والاجتماعى للمدفونين، كما تساعد فى تأريخ المقبرة وربطها بشبكات التجارة والحرف والمعتقدات فى البهنسا خلال العصر الروماني. هذه التفاصيل عادة ما تزداد وضوحًا بعد استكمال الدراسة المعملية والنشر الأكاديمى الكامل للكشف.

تكمن خصوصية كشف البهنسا فى اجتماع ثلاثة محاور فيه معًا. المحور الأول جنائزي، ويتمثل فى المومياوات وطقوس الدفن والألسنة الذهبية. والمحور الثانى فنى مادي، ويتمثل فى التوابيت والزخارف ورقائق الذهب. أما المحور الثالث فأدبى نصي، ويتمثل فى بردية هوميروس. وغالبًا ما يبرز أحد هذه المحاور فى كشف أثرى دون الآخر، أما اجتماعها فى مقبرة واحدة فهو ما منح الخبر صدى واسعًا فى مصر وخارجها.

كما أن اسم هوميروس نفسه يملك جاذبية خاصة فى الإعلام الثقافى العالمي، لأن "الإلياذة" من النصوص المؤسسة للأدب الغربى القديم. وعندما يظهر هذا الاسم داخل مقبرة فى المنيا، فإن الخبر يكتسب بعدًا رمزيًا قويًا: مصر ما زالت تكشف نصوصًا ومواد تعيد قراءة العلاقة بين الحضارات القديمة، وتؤكد أن أراضيها ومخازنها الأثرية ما زالت تحمل مفاجآت كبيرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق