حسين السيد يكتب: قراءة فى كتاب الإسلام والغرب لـ هالة مصطفى

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عالجت الدكتورة هالة مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والخبيرة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية والكاتبة الصحفية بالأهرام، قضية مهمة فى كتابها "الإسلام والغرب – من التعايش إلى التصادم"، وهى قضية الإسلام والغرب، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، والحرب على أفغانستان، كل هذا فتح الباب لإثارة التساؤل: هل ثمة صدام بين الإسلام والغرب؟ وهل صحيح أن هناك صراع الحضارات كما قال به عالم السياسة الأمريكى "صموئيل هنتجتون" أوائل التسعينيات؟ أم هل يمكن التعايش وتحقيق الوئام بينهما؟

تؤكد الدكتور هالة أنه على مر التاريخ تواكبت حضارات، لكل منها امتدادها الزمنى واتساعها المكانى، وأن كل كل حضارة كانت تتفاعل مع الحضارة التى سبقتها وتصب فى اللاحقة عليها، فليست حضارة أى أمة بمعزل عن سابقتها، أو تدخل فى صدام معها، وإنما أخذت منها واستفادت، ثم أثرت فى الحضارة التى تلتها. فكل حضارة تمثل مرحلة من مراحل التقدم الإنسانى، وتسرى إلى غيرها. إذن، يمكن التعايش بين جميع الحضارات.

هالة مصطفى
هالة مصطفى


بالنسبة إلى العلاقة بين الإسلام والغرب ذكرت أن العلاقة بينهما تولدت نتيجة احتكاك وتفاعل مباشر. ومن ثم، تناولت فكرة الاحتكاك مع الغرب قديما وحديثا، قديما عندما تأثروا بحضارتنا الإسلامية، وحديثا عندما تأثرنا بهم بعد حملة نابليون على مصر سنة 1798، وتولى محمد على حكم مصر. ولفتت إلى أنه يمكن التوفيق بين الإسلام والغرب، فاستعرضت أبرز الجهود فى ذلك، مثل جهود رفاعة الطهطاوى والأفغانى ومحمد عبده وتلاميذه، كما خرجت مدرسة أخرى مغايرة تأثرت بأفكار رشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب.
فى البداية أحب أن أقول: لقد أعجبنى هذا الكتاب وبهرنى وشدنى، فهو من أروع الكتب التى تناولت العلاقة بين الإسلام والغرب؛ حيث بينت المؤلفة عظمة الحضارة الإسلامية وفضلها على الغرب فى جزئه الأول، وأطالت فى الدفاع عنها. كما أن الكتاب ملىء بكمية كبيرة من الأفكار؛ لهذا، يصعب حصره فى مقال واحد. فيمكنك مثلا الحديث عن مقدمة الكتاب فى مقال، وأثر الحضارة الإسلامية فى مقال ثان، وفكر رفاعة الطهطاوى فى مقال ثالث، وفكر الأفغانى ومحمد عبده فى مقال رابع، وهكذا.
أعترف أننى فى بداية الأمر قد ترددت فى صحة نسبة هذا الكتاب إلى الدكتور هالة مصطفى، فهى أستاذة العلوم السياسية ومؤسسة مجلة الديمقراطية بالأهرام، ولم يخطر على بالى أنها هى من ألفت الكتاب. وكنت سأتصل بها، كعادتى، لأناقشها فى الأفكار التى وردت به، ولتعرف رأيى فيه، لكنها غادرت دنيانا دون أهاتفها وأسجل لها إعجابى الشديد بالكتاب، فهو إن كان صغير الحجم لكنه يغنينا عن كثير من الكتب، كما كنت سأسألها عن معاناتها فى جمع المادة، فكل جملة تحتاج إلى مرجع وأكثر، ولم تكن المراجع متاحة بهذه السهولة، ولم يكن الكومبيوتر متاحا بهذا الشكل، لا شك أن هذا الكتاب أتعبها فى مادته.
بينت الدكتورة هالة فضل الحضارة الإسلامية على أوروبا، وقد التقطت نقطة مهمة، ربما يغفل عنها الكثير من المفكرين، وهى أن الأديان السماوية الثلاثة "اليهودية والمسيحية والإسلام" ظهرت فى منطقة الشرق، فى منطقة الجزيرة العربية، فالمسيحية ولدت فى فلسطين، ومن ثم فإن أوروبا فى انتمائها الدينى المسيحى لها جذور شرقية، بل إن الشرق موجود فى صلب التاريخ الدينى للغرب. كما تلقى الأوروبيون الأقدمون معارفهم عن السماء وأفلاكها، عن طريق العرب، ولا تزال فى اللغات الغربية عشرات الأسماء العربية للكواكب والمصطلحات الفلكية.

الإسلام والغرب
الإسلام والغرب


ذكرت الدكتورة هالة إسهام العرب فى مجالى الطب والعلوم، فأكدت أن العلم، بدءا من القرن التاسع الميلادى، كانت لغته هى العربية. وقضى الإسلام فى مجال الطب على الكهانة، وفتح الباب للطب الطبيعى، وأبطل المداواة بالسحر والشعوذة. وكان لموسوعات الطب الإسلامية ما لم يكن له نظير فى القيمة العلمية، وترجمت كلها إلى اللاتينية، فترجمت كتب "القانون" لابن سينا، و"الحاوى" للرازى، وكتب ابن الهيثم، و"التعريف لمن عجز عن التصريف" لأبى القاسم خلف بن العباس. واستفاد الأوروبيون كذلك من بحوث العرب فى الكيمياء، وعن طريق جابر بن حيان عرفوا ملح النوشادر وماء الذهب والبوتاس وزيت الزاج وبعض السموم. كما تأثر الأوروبيون بكشف العرب للبارود واستخدامه فى قذائف الحصار وأسلحة القتال. ومهدت آراء البيرونى الطريق أمام نيوتن لاكتشاف قانون الجاذبية. كما كان لأبناء موسى بن شاكر الفضل فى النهوض بعلم الميكانيكا، وكتابهم "الحيل" يشهد بذلك.
تبرز الدكتور هالة دور المسلمين فى مجالات الفلك والجغرافيا والرياضيات، ومن ذلك أن الشريف الإدريسى هو أول من اكتشف حقيقة منابع النيل العليا، وعن طريق الجغرافية العربية تمكن كولومبوس من اكتشاف العالم الجديد، وبرز علماء ورحالة وجغرافيون كثر استفاد منهم الأوروبيون، فعلى سبيل المثال، أبو عبدالله البكرى وابن جبير وابن بطوطة والمسعودى وابن حوقل وياقوت الحموى. ويعرف الجبر باسمه العربى فى جميع اللغات الأوروبية نسبة إلى محمد بن موسى الخوارزمى.
فى مجال الفلسفة، دافعت الدكتورة هالة عن عدم اشتغال العرب بالفلسفة أول الأمر؛ لأنهم كانوا يعيشون عيشة البدو الرحل فى طلب المرعى، وهذا أحوجهم إلى الغزو والإغارة المستمر، ومن ثم لم يكن لديهم الوقت لدراسة الفلسفة. ودعت إلى الاهتمام بفلاسفة الأندلس، فهم فى الأصل عرب، كما أنهم هم السبب فى تعريف الأوروبيين بالفلسفة الإسلامية على العموم، فالفضل فى ذلك ينسب لابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن زاهر وغيرهم. وظهرت آراء ابن باجة وابن طفيل فى آراء القديس توما الأكوينى وألبرت الكبير. كما كان لابن عربى أثر كبير فى عقول النساك والمتصوفة المسيحيين. وقد سبق ابن سينا والغزالى إمام الفلسفة الأوروبية ديكارت فى أهم قضاياه الفلسفية، فالغزالى يقول إن الشك أولى مراتب اليقين، والشك كما نعلم هو مقدمة الفلسفة الديكارتية إلى البراهين اليقينية.
أما فى مجال الأدب والفنون والموسيقى فذكرت الدكتور هالة أن بوكاشيو ودانتى وبترارك وهم إيطاليون كانت لهم صلة بالأدب العربى، وكذلك شوسر الإنجليزى وسرفانتس الإسبانى. وليس أدل على ذلك من تأثر دانتى فى "الكوميديا الإلهية" بالمصادر العربية. وراحت المؤلفة تعدد أسماء من تأثروا بالأدب العربى من نوابغ الأدباء الأوروبيين مثل شكسبير وبيرون وكولردج وشيللى وجوته وفولتير ولافونتين وهيجو ومنتسكيو.
وعن طريق الأندلس أخذ الأوروبيون يتعلمون فن النغم، بل إنهم نقلوا أسماء بعض الآلات بألفاظها العربية بعد تحريف بسيط. كما تأثر الأوروبيون فى مجال العمارة بطراز البناء العربى.
تحدثت بعد ذلك الدكتورة هالة عن أثر الحضارة الأوروبية الحديثة فى النهضة العربية والإسلامية، ورأت أن الفضل الأكبر لأوروبا على الشرق هو تنبيه أذهان الشرقيين إلى الأسباب الصحيحة التى تقترن بها نهضات الشعوب، ولما غلبتهم أوروبا فهموا، مضطرين، أسباب هذه الغلبة، فرجعوا إلى علومهم وصناعاتهم ونظم السياسة والحكم لديهم، وهذا الاحتكاك بين الشرق والغرب ولد تفاعلا يحمل سماته الخاصة، ما بين الصعود والهبوط، والتعايش والتصادم.
تناولت أيضا الحملة الفرنسية على مصر وأثرها فى خلق الفكرة القومية المصرية، واستثارتها وبلورتها، كما ساعدت على تنمية الوعى والتفاعل الحضارى مع أوروبا وتجديد الثقافة.
ذكرت أن تجربة محمد على تتلخص فى إقامة دولة على طراز حديث علمى، عن طريق بناء بناء جيش حديث، ونظام مركزى للإدارة وجهاز بيروقراطى عصرى، كما اهتم بالتعليم المدنى. وترى المؤلفة أنه رغم تعرض محمد على للانتقادات من جانب ألبرت حورانى وعفاف لطفى السيد وغيرهما فإنه قد أتاح الفرصة للاحتكاك الواسع بالثقافة الغربية من خلال إرسال البعثات إلى أوروبا أو تشجيعه لحركة الترجمة وازدهارها فى عهده، وأصدر جريدة رسمية لنشر قراراته، ما أدى إلى خلق طبقة من المثقفين المحدثين فى مصر. وهكذا أسهمت تجربة حكم محمد على فى ميلاد الحركة الفكرية الإصلاحية بسبب المقابلة التى أفرزتها عملية الاحتكاك بأوروبا بين الفكر التقليدى للمجتمع العثمانى وبين الأفكار الغربية الحديثة للمجتمعات الأوروبية التى أفضت إلى نهضة فكرية مجددة.
تناولت الدكتورة هالة دور رفاعة الطهطاوى فى الحركة الإصلاحية، فتراه أول من فتح باب الاجتهاد بعد أن ظل مغلقا لفترة طويلة، وأول من دعا إلى إعادة تفسير الشريعة فى ضوء الاحتياجات العصرية ودراسة العلوم التى أتى بها العقل الإنسانى، كما عدته رائد الوطنية المصرية؛ حيث لفت الانتباه إلى تاريخ مصر الفرعونى، كما كان مبشرا بالديمقراطية الليبرالية، وداعيا إليها. وكان الطهطاوى يرى أن الإسلام أسبق من أوروبا فى صنع حضارة إنسانية، لهذا فإن العلوم الأوروبية هى فى الأساس علوم إسلامية، فما نسميه "فروع الفقه" يسمونه "قوانين حضارة"، وما نسميه "عدلا وإنصافه" يسمونه هم "حرية ومساواة".. وحاول رفاعة أن يقنع المصريين بأن علوم أوروبا ليست خطرا على العقيدة كما شاع حينها، فحثهم على ضرورة الاستفادة والتعلم من الحضارة الحديثة، كما حاول تغيير الصورة السلبية عن الإسلام لدى أوروبا عن طريق تذويب التناقضات القائمة بينه وبين الحضارة الغربية.
أما جمال الدين الأفغانى فرأت الدكتورة هالة أنه قد أعلى من شأن العلم، وعدَّه السبب فى سر تقدم الأوروبيين، كذلك دعا إلى تدريس الفلسفة فى الدولة العثمانية، فهى فى نظره القادرة على توظيف العلوم فى مكانها الصحيح، وهى القادرة على إنهاض الحياة الإنسانية وإثرائها، لكنه يرفض تعليم الفلسفة المادية العقلانية ويرفض فكر فولتير وروسو. وانتقد الأفغانى أوضاع المسلمين التى عكست عدم فهمهم لدور العلم والحضارة فى إصلاح العالم، ومن ثم طالب بالإصلاح الدينى من خلال احترام العقل وتحرير الفكر الدينى من قيود التقليد وفتح باب الاجتهاد. كما نادى بضرورة اقتفاء أسباب تقدم الغرب والوقوف على تفوقه وقدرته.
تخلص الدكتورة هالة إلى أن جهود الأفغانى هى محاولة للوصول إلى حل وسط بين الثقافة التقليدية وبين الثقافة العلمية الحديثة.
أما فكر الإمام محمد عبده فهو أيضا امتداد لما بدأه الطهطاوى والأفغانى، فترى الدكتورة هالة أن محمد عبده أوضح أن عقيدة التقدم عند أوروبا التى أوصلتها إلى طريق الازدهار هى نفس عقيدة الإسلام التى أخذتها أوروبا دون مسماها الأصلى، مع رفض ما لا يتوافق مع معتقداتنا، فأوروبا إن كانت متحضرة لكنها مستعمرة فى الوقت نفسه، لذلك حاول أن ينفى تفوق الاستعمار على الدول الإسلامية، ومن ثم اشتبك مع المسيحية فى أكثر من موضع. كما كان يؤمن بالإصلاح وليس الثورة، ويعطى الأولوية للتعليم وليس للتغيير السياسى والاجتماعى، أى كان يرى البدء بالفرد وليس المجتمع.
تذهب الدكتورة هالة إلى أنه إن تشابه فكر محمد عبده مع الأفغانى فإنه كان أكثر انفتاحا على الفكرى العقلانى منه، وأن الفكرة الرئيسية عند محمد عبده هى ربط الثقافة التقليدية بالعلم عن طريق خلق صيغة توفيقية بين العلم والدين دون تجاوز حدود الفكر التقليدى من أجل التجديد الثقافى.
أكدت الدكتورة هالة أن جهود هذه الحركة الإصلاحية كانت الأساس الذى قامت عليه المدرسة الليبرالية فى بداية القرن العشرين، ورأت هذه المدرسة ضرورة المواءمة بين الأساليب العصرية الغربية والمتطلبات المحلية، ما يعنى تبنى الدعوة من أجل حكومة علمانية تعمل فى إطار إسلام عصرى، كما تنقل المؤلفة عن الدكتورة عفاف لطفى السيد، ومن رواد هذه المدرسة أحمد لطفى السيد الذى كان يمزج بين المبادئ الإسلامية والفلسفة الإغريقية وأفكار التنوير الفرنسية والليبرالية البريطانية. وكذلك الشيخ على عبدالرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وطه حسين صاحب كتاب "فى الشعر الجاهلى"، ومحمد حسين هيكل، وغيرهم من رواد المدرسة الليبرالية.
ترى المؤلفة أن هذه المدرسة بلغت أوجها فى العقدين الأولين من القرن العشرين، لكنها تعرضت لانتكاسة خطيرة وتراجع منذ الثلاثينيات لعوامل عدة، أهمها: الدور الرقابى الذى أداه علماء الدين التقليديون ضد الإصلاح الدينى، ورمى هذه المحاولات بالإلحاد والكفر. كذلك المناخ السياسى والاقتصادى الذى ساد هذه الفترة، وأدى إلى دخول رموز هذا التيار الفكرى الإصلاحى فى معارك سياسية عدة وعرضها للعزل والاضطهاد. أيضا أثر فى انتكاسة هذه المدرسة ظهور جماعة الإخوان المسلمين على الساحة المصرية كأول حركة سياسية إسلامية، وتقديمها مفهوما للإسلام مغايرا لاتجاه المدرسة الليبرالية.
ولا ننسى أنها استعرضت فى مقدمة الكتاب بعض الاعتبارات الأساسية التى تشكل فى مجملها طبيعة العلاقة مع الغرب وأثرها فى مسار مشروع التحديث والنهضة فى العالم العربى، منها:
أولا - طغيان العامل السياسى على العامل الثقافى فى مسار العلاقة مع الغرب أدى إلى تنامى الاتجاهات السلفية التى تشكك فى الثقافة الغربية، بل معاداتها.
ثانيا - الأثر السلبى للتراكمات التاريخية على الذهن العام الشعبى العربى تجاه الغرب.
ثالثا - طبيعة السياسة الأمريكية فى المنطقة العربية سواء فيما يتعلق بتسوية الصراع العربى الإسرائيلى أو كيفية تعاملها مع ما عرف بظاهرة الإسلام السياسى بشكل عام والجماعات الإسلامية بشكل خاص عبر استغلال تلك الجماعات فى النزاعات الأمريكية مع الدول المعادية.
رابعا: فرضية "صدام الحضارات" وتركز بشكل خاص على الصراع بين الحضارات ومن بينها الحضارة الغربية والإسلام

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق