العصر النووي.. كيف عاش العالم ثمانية عقود على حافة النهاية؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يروي المؤرخ الأمريكي سيرهي بلوخي، في كتابه اللافت "العصر النووي"، حكاية عالم لم يخرج من الكارثة، بل تعلم فقط كيف يؤجلها، يفتتح بلوخي تجربته باعتراف شخصي يكاد يكون مدخلًا لفهم القرن العشرين كله، حين يقول إنه "سليل العصر النووي"، وأن حياته كلها جرت تحت ظل تهديد دائم بالإبادة الشاملة، ذلك التهديد الذي بدأ في صيف عام 1945، مع أول تفجير نووي في صحراء نيو مكسيكو.

ويتابع سيرهي بلوخي، بعد ثلاثة أسابيع فقط، تحول هذا التهديد من تجربة إلى واقع، حين أُلقيت القنبلة على هيروشيما، فدُمرت المدينة في لحظة خاطفة، وذابت الأرصفة، وتفحمت الأجساد، وسقط عشرات الآلاف قتلى في التوّ، قبل أن يلحق بهم عشرات الآلاف خلال أشهر قليلة بفعل الإشعاع. وبعدها بثلاثة أيام، تكررت المأساة في ناغازاكي، لتصبح المدينتان شاهدًا دائمًا على قدرة الإنسان على تدمير نفسه.

لكن المفارقة التي يتوقف عندها بلوخي ليست في وقوع الكارثة، بل في ما تلاها، كيف نجا العالم بعدها؟ كيف مرّت ثمانية عقود دون أن تتكرر الضربة النووية؟ الإجابة، كما يطرحها، ليست في حكمة كاملة، بل في توازن هش، أقرب إلى المصادفة المدعومة بالخوف.

يصف بلوخي بقاء البشرية حتى الآن بأنه أقرب إلى "المعجزة"، ففي عالم متوتر، لا يفصل الإنسان عن الهلاك سوى قرار طائش، أو خطأ في الحسابات، أو خلل تقني، أو لحظة تهوّر عابرة. ومع ذلك، بدلًا من تقليل هذا الخطر، يواصل العالم تضخيمه، عبر سباق تسلح لا يتوقف، يقوم على فرضية شديدة التناقض: أن امتلاك مزيد من أدوات القتل يضمن مزيدًا من الأمان.

ويستعيد الكاتب واحدة من أخطر لحظات القرن العشرين: أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين اقترب العالم فعليًا من حافة الحرب النووية. كانت المواجهة بين جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف لحظة اختبار حقيقية، ولو لم يتراجع الطرفان في اللحظة الأخيرة، لكانت النتيجة كارثة كونية. يتذكر بلوخي تلك الأيام من موقعه كطالب، ويستحضر صورة معلمة تاريخ مذعورة، كانت تسأل: كيف يمكن التعامل مع نهاية قد تقع خلال ثوانٍ؟

هذا السؤال، فى نظره، لم يفقد صلاحيته حتى اليوم، بل ربما صار أكثر إلحاحًا. فالعالم لم يعد محكومًا بثنائية قطبية واضحة، بل بشبكة معقدة من القوى النووية، القديمة والجديدة. يشير بلوخي إلى أن تسع دول تمتلك السلاح النووي رسميًا، لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نحو أربعين دولة أخرى تملك القدرة التقنية لإنتاجه خلال وقت قصير، وهو ما يجعل العالم كله أشبه بقنبلة مؤجلة الانفجار.

ويقدم قراءة معاصرة لهذا التهديد، من خلال ما يصفه بتصاعد الخطاب النووي لدى قادة كبار، حيث يتباهى بعضهم بامتلاك أسلحة "لا تُقهر"، بينما يدفع آخرون نحو استئناف التجارب النووية، في سباق لا يعترف بالحدود. وهنا تتجلى الفكرة الأساسية للكتاب: أن محاولة احتكار القوة تدفع الآخرين إلى امتلاكها، لا إلى الخضوع لها.

فى النهاية، يرى بلوخي أن ما أنقذ العالم حتى الآن ليس الأخلاق، ولا الاتفاقات وحدها، بل الخوف المشترك من الفناء. إدراك الجميع أنه لا رابح في حرب نووية هو ما أبقى العالم قائمًا، حتى هذه اللحظة. لكن السؤال الذى يظل معلقًا: هل يكفى هذا الخوف دائمًا؟ أم أن العالم، فى لحظة ما، قد يخطئ الحساب؟

بين التاريخ والتحليل، يضع "العصر النووي" القارئ أمام حقيقة قاسية: نحن لا نعيش بعد نهاية الخطر، بل داخل تأجيله المستمر.

D02q_grfmHGh0lGzNhZnkMJ_U5JTkL7kAh-4Iz2ZEP0q8M_JMgxSQnDFHCoWS3RWCDJE7WNZAQlqnDvnN020MzrfaMMVsj8quTrH89PbXxVwyucg8N_OyKWfJRm-l9cluwcBbfUul5C_vX6hVDKOTNuPAbIOkyRcNHq9fmyswbrFgUfJknU5bsfAX8p8
_غلاف الكتاب 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق