سامح قاسم يكتب: من الالتحام إلى الندبة.. مسار العاطفة فى "الوراء المرتبك" لفاطما خضر

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى ديوان "الوراء المرتبك" للشاعرة فاطما خضر تتقدم اللغة باعتبارها جسداً حياً، مبلّلاً بأثر اللمس، ومثقّلاً برغبة لا تهدأ، منذ العتبة الأولى، يقدم النص نفسه كمنطقة توتر، كمجال تتشابك فيه الرغبة مع الخوف، العنوان ذاته يفتح باباً كثيفاً من الدلالات، "الوراء" زمن متراكم، خزّان صورٍ وتجارب، و"الارتباك" طاقة تشويش تخلخل يقين المعنى، وتجعل التجربة فى حالة انزلاق دائم بين ما يسهل البوح به وما يتعذّر الإفصاح عنه.

فى مقدمة المجموعة، تضع الشاعرة مفاتيح هذا العالم الشعرى عبر عبارة تأسيسية تتردّد أصداؤها فى كامل الديوان: "هُناكَ... فى الـــوراء، حيــثُ يمكــن للأنثــى أن تقــول كلَّ شــيءٍ عن الحـُـبّ والرّغبــة، مــا زال ذاك الــوراء مُرتبــكاً".

هذه الجملة تأتى كإعلانٍ عن طبيعة الكتابة ذاتها، كتابة تنطلق من مساحة مؤجلة، من خلفٍ زمنى ونفسي، حيث تتكثّف الرغبة فى البوح، ويشتدّ العجز عن تثبيت المعنى، فى هذا "الوراء" تتشكّل الأنثى بوصفها ذاتاً متكلّمة، واعية بحضورها، وبقدرتها على فتح اللغة على مناطق لم تُستثمر بعد فى الخطاب الشعرى العربي.

يتّخذ الديوان، الصادر عن دار النهضة ببيروت، من قصيدة النثر وسيلته الأساسية، غير أنّ هذه الوسيلة لا تُستَخدم كخيار شكلى فقط، لكنها حاضرة كضرورة جمالية؛ فالتشظّى الذى يطبع التجربة يجد فى هذا الشكل مساحة مناسبة للانفلات من قيود الإيقاع التقليدي، وللذهاب بعيداً فى بناء صورة متحرّكة، تتكاثر داخلها الدلالات. تتدفّق المقاطع الشعرية كما لو أنّها شذرات من وعى يكتب نفسه فى اللحظة، أو كما لو أنّ الجسد هو من يملى إيقاع النص.
فى قصيدة (حبٌ ينمو فوقَ جسدي)، تلتقط الشاعرة جوهر هذا الاشتغال حين تقول:

"الشّعرُ طـــريــقــةٌ
لقَولِ إنَّ شيئًا ما لَمْ يحدث
لكن يتوجّب حدوثهُ"

بهذه الرؤية، يتحوّل الشعر إلى أداة خلق، إلى محاولة مستمرة لردم الفجوة بين الواقع والرغبة، بين الممكن والمتخيّل. اللغة هنا لا تنقل التجربة بقدر ما تعيد إنتاجها، وتمنحها كثافة جديدة، تجعلها قابلة للعيش مرة أخرى داخل النص.      

يتحرّك الصوت الشعرى فى الديوان عبر محاور متعدّدة، يتقدّمها الجسد باعتباره مركزاً دلالياً، ومصدراً للمعرفة. الجسد عند فاطما خضر فضاء داخلى تُعاد فيه كتابة العالم. فى قصيدة (موج)، يتجلّى هذا الوعى الجسدى فى صيغة مكثّفة:

"مــاءٌ أنــتَ
وكــونى كــائــناً بـحــرياً
مــن الجـيـد أن أحـيـا
بيـنَ ضلوعــك"

هذا التشكيل يشى بعلاقة اندماجية، حيث تتلاشى الحدود بين الذات والآخر، ويغدو الحبّ حالة ذوبان، تتجه نحو الامّحاء الكامل داخل الآخر. هنا يتخذ "الوراء" بعداً إضافياً؛ فهو أيضاً المساحة التى تتراكم فيها هذه التجارب الحسية، وتعيد تشكيل الذات فى كل مرة.

يتّسع النص ليشمل تفاصيل يومية، صغيرة، عابرة، تتحوّل داخل الكتابة إلى علامات على حضور الحبّ.

فى قصيدة (صباح الموج)، تقول الشاعرة:

"هـذا هـو الحـُبّ
مُـمارسةُ الأشـياء العاديةّ"

هذه الرؤية تمنح الحبّ بعداً حياتياً، يخرجه من التصوّر الرومانسى المجرد، وتعيده إلى مستوى المعيش، إلى التفاصيل التى تُصنع منها الأيام. لكن هذا الحضور لا يستقر، إذ سرعان ما يتسرّب القلق، ويتحوّل الامتلاء إلى فقد.

اللغة فى "الوراء المرتبك" تعمل كمرآة وجرح فى آن واحد. ففى قصيدة ( فى مديح المسافة)، يتكثّف هذا الوعى حين تكتب الشاعرة:

"أُعيدُ كِتابتَك
مــرّةً تــلـو الأخــرى
لأنّ الكــتــابــةَ مـرآةُ الغـيـاب"

الكتابة هنا فعل استدعاء، محاولة لترميم الغياب عبر اللغة، محاولة تعرف مسبقاً حدودها، وتستمر رغم ذلك. هذا التوتر بين الرغبة فى الإمساك بالتجربة واستحالة تثبيتها يمنح النص طاقته الأساسية، ويجعل القراءة تجربة موازية، يعيش فيها القارئ ارتباكاً مشابهاً لذلك الذى يحرّك النص.
ينفتح الديوان أيضاً على أفق سمعى وبصرى غني، حيث تتداخل الأصوات والصور فى بناء مشهد شعرى متعدد الطبقات. فى قصيدة (رائحة الصوت)، يظهر هذا الاشتغال عبر استدعاء صوت أم كلثوم:

"يشدُّ صوتُ أمِّ كلثوم
قــلـبى مـن أُذنـِـه"

هذا الاستدعاء، يأتى كوسيط عاطفى يعيد ربط التجربة الفردية بذاكرة جماعية، ويمنح النص عمقاً إضافياً، حيث يتداخل الشخصى مع العام، والذاتى مع الثقافي.
من هنا، يمكن النظر إلى "الوراء المرتبك" باعتباره نصاً يكتب التجربة الأنثوية من الداخل، عبر لغة تتشكّل من الحواس، ومن التوترات النفسية، ومن الرغبة فى البوح بما ظلّ مؤجّلا. النص يسعى إلى ترتيب العالم، وكشف ارتباكه، والإقامة فى هذا الاضطراب، وتحويله إلى مادة شعرية حيّة، مفتوحة، قادرة على التجدّد مع كل قراءة.

الوراء المرتبك
الوراء المرتبك


فى قصيدة ( امرأة يتبعها الكون)، تتحوّل الذات إلى مركز كوني، فى محاولة لاستعادة السيطرة:

"أمشى خلفى أربعة أنهارٍ
يتبعُنى الغاوون مُنشدين:
هذه المرأة ليست قصيدةً
إنّها الجنّة"

هذا المقطع يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم؛ الأنثى تصبح محوراً تدور حوله الكائنات، والكون نفسه يتحول إلى تابع. هذه الحركة التعويضية تمنح الذات قوة رمزية، توازن بها شعورها بالتهديد.
فى مقطع أخر، يتعمّق هذا التحوّل:

"جـــنـّةٌ أنـــا
تتَّسِعُ لكَ وحدكَ"

الذات هنا تعيد تعريف نفسها بوصفها فضاءً، عالماً مكتفياً بذاته، قادراً على احتواء الآخر. لكن هذا الاتساع يحمل فى داخله توتراً؛ فهو يفتح المجال للامتلاك، ويطرح فى الوقت نفسه سؤال الحدود.
يتجلّى هذا التوتر بوضوح فى قصيدة (دَعْ أصابعَكَ تخَطو العتبة)، حيث تتحوّل الأصابع إلى عنصر مركزى فى التجربة. العتبة هنا ليست مجرد حدّ مكاني، هى حدّ رمزى بين الداخل والخارج، بين المسموح والمحرّم. دعوة الأصابع إلى "خطو العتبة" تعنى السماح بالاختراق، بعبور الحدود، بالدخول إلى منطقة أكثر حميمية.

سامح قاسم
سامح قاسم


وفى قصيدة (ساتان موشَّى بالرغبة)، تتخذ العلاقة بُعداً فلسفياً، عبر سؤال المسافة:

"سألتُكَ عن مقدارِ المسافةِ
بينَ القمرِ والأرض"

السؤال يبدو كونيًا، غير أن الإجابة تنزاح نحو الجسد، نحو مسافة صغيرة، حميمية، تُقاس باللمس. هذا التحويل يكشف عن رؤية ترى فى الجسد مقياساً للعالم، وفى العلاقة الحميمة بديلاً عن المسافات الكونية.
وفى قصيدة ( بين نحر وصدر)، يدخل الزمن إلى المشهد باعتباره عنصراً حياً:

"الــوقــتُ شـــجـرةٌ
تمتدّ جذورها فى جلدي"

الزمن هنا يتشابك مع الإحساس. هذا التداخل بين الزمن والجسد يعمّق من تجربة الاحتدام، حيث تصبح اللحظة ممتدة، مشبعة، ثقيلة بالمعنى.
الصوت فى الديوان يتحوّل إلى كائن حي، ينمو داخل الجسد، يغيّر شكله، يوسّع مداه. هذه الصورة تعكس استمرار الاشتغال على تحويل المجرد إلى محسوس، وعلى جعل اللغة امتداداً للحياة العضوية. فى هذا المقطع، تبلغ الرغبة ذروة احتدامها:

"اشـــربـْـهُ
ليغدو الكونُ
دالــــيـــةَ عـــــنــــبٍ"

الكون نفسه يتحوّل إلى مادة حسية، قابلة للتذوق، للشرب، للامتلاء. هذا التوسّع فى الصورة يعكس رغبة فى احتواء العالم، فى تحويله إلى تجربة جسدية.
بهذا، يقدّم "الوراء المرتبك" تجربة شعرية تقوم على التحوّل المستمر، وعلى تفكيك الثوابت، وعلى إعادة كتابة العلاقة بين الجسد واللغة، بين الحب والفقد. الديوان يدفع قارئه، إلى العيش داخل هذا الارتباك، إلى تأمّل تفاصيله، وإدراك أنّ المعنى يُبنى عبر تجربة القراءة نفسها.
وينتهى الديوان عند نقطة لا تشبه النهايات التقليدية، إذ لا يقدّم إغلاقاً بقدر ما يفتح اتساعاً جديداً للأسئلة. التجربة التى بدأت بموجٍ من الانغمار الحسي، واشتعلت بنار الغيرة والرغبة، ثم مرّت بإعادة التشكيل، تصل فى "فوضى" إلى لحظة انكشاف، حيث تتعرّى اللغة من يقينها، ويتبدّى الحب كأثرٍ ناقص،ومع ذلك لا يتلاشى.

أخبار ذات صلة

0 تعليق